الاتحاد الأوروبي يمدد عقوباته الخاصة ضد حماس والجهاد الإسلامي: نظام دائم لمكافحة التمويل
بروكسل تؤكد استمرار تهديد شبكات التمويل وتمدد الإجراءات الخاصة ضد الجماعات الفلسطينية

لم يكن النظام الخاص الذي يستهدف حماس وحركة الجهاد الإسلامي وليد اللحظة، بل أسسه الاتحاد الأوروبي في يناير 2024. جاء هذا الإجراء بموجب القرار (السياسة الخارجية والأمنية المشتركة) 2024/385، بهدف توفير أداة مصممة خصيصًا لمواجهة شبكات التمويل والدعم اللوجستي والسياسي لهاتين الجماعتين، متجاوزًا بذلك القائمة الأوروبية التقليدية للمنظمات الإرهابية. في بدايته، شمل هذا الإطار ستة أفراد اعتُبروا مسؤولين عن تسهيل أو تمويل الأنشطة العنيفة لحماس والجهاد الإسلامي.
شهدت القائمة منذ ذلك الحين توسعًا وتعديلًا مستمرين. فبناءً على هذا النظام، أُضيفت لاحقًا ثلاث شركات مرتبطة بمحفظة استثمارات حماس، والتي استُخدمت كأدوات استثمار وشركات واجهة. يتوافق التمديد الذي أُقر مؤخرًا مع النمط المعتاد لسياسة العقوبات الأوروبية، والذي يتمثل في دورات مراجعة سنوية مع تمديدات متتالية طالما بقيت الأسباب التي دعت إليها قائمة. التشخيص الصادر عن بروكسل واضح لا لبس فيه: “التهديد لا يزال حقيقيًا وشبكات الدعم المالي ما زالت نشطة”. لذا، بدلًا من التراخي، يتعزز هذا الإطار ليصبح جزءًا ثابتًا من البنية الأمنية الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط.
من هم المستهدفون: 11 فردًا و3 كيانات بعد تعديل القائمة
أدخل قرار المجلس الجديد تعديلًا مهمًا، وإن كان غير معلن على نطاق واسع، تمثل في إزالة فرد متوفى من القائمة. بذلك، انخفض عدد الأشخاص الخاضعين للعقوبات من 12 إلى 11 فردًا، مع الإبقاء على 3 كيانات قانونية. هذه الأسماء ليست عشوائية، بل هي شخصيات مرتبطة بهياكل مالية وتجارية ولوجستية مكنت حماس والجهاد الإسلامي من العمل خارج الأراضي الفلسطينية.
تضم قائمة المستهدفين ممولين يتمركزون في دول ثالثة، ومديرين تنفيذيين لشركات، وصفها الاتحاد الأوروبي بأنها عملت كـ“بنوك ظل” لاستثمارات الحركة الإسلامية، وأفرادًا يُعتقد أنهم سهلوا تحويلات مالية أو استثمارات عقارية أو أدوات شركات. المجموعات التجارية الثلاث المدرجة بالفعل، والتي تمتلك شركات في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، تُعد جزءًا من محفظة استثمارات حماس أو أذرعًا تنفيذية لاستراتيجيتها في تنويع الأصول.
لم يتغير المشهد كثيرًا مقارنة بعام 2025، حيث كانت بروكسل قد رسخت بالفعل قائمة تضم 12 فردًا و3 كيانات. الرسالة الأساسية هي أن الاتحاد الأوروبي لا يسعى إلى تأثير واسع النطاق، بل إلى تأثير جراحي دقيق: ضرب نقاط التمويل والردع الرئيسية، بدلًا من إعداد قوائم لا نهاية لها من الأسماء التي يصعب تنفيذ العقوبات ضدها.
تداعيات العقوبات: تجميد كامل وحظر مالي صارم
تُعد الإجراءات الأوروبية صارمة من الناحية النظرية. يخضع الأفراد والكيانات المدرجة في القائمة لتجميد شامل لجميع أموالهم ومواردهم الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي. كما يُحظر على أي بنك أو شركة تعمل تحت الولاية القضائية الأوروبية توفير الأموال أو السلع أو الخدمات لهم. إضافة إلى ذلك، يخضع الأفراد المتأثرون لحظر سفر يمنع دخولهم أو مرورهم عبر أي دولة عضو.
يعني هذا أن الشخص الخاضع للعقوبات لا يستطيع فتح حساب مصرفي، أو بيع أصول، أو تحصيل أرباح من خلال كيانات أوروبية. أي دفعة تمر عبر بنك مقره في الاتحاد الأوروبي، حتى لو كان المستلم النهائي في دولة ثالثة، قد تُحظر. عمليًا، يُغلق جزء من النظام المالي العالمي أمام هؤلاء الأفراد والشركات، حيث تتبع العديد من الكيانات الكبيرة غير الأوروبية هذه القيود لتجنب مخاطر السمعة والامتثال.
النطاق القانوني واسع، لكنه ليس مطلقًا. توجد استثناءات إنسانية وتصاريح محددة لعمليات قد ترتبط بالمساعدات الإنسانية، أو أنشطة المنظمات غير الحكومية، أو النفقات الضرورية للغاية، وكل ذلك يخضع للرقابة. التوازن هنا دقيق: يتمثل في خنق شبكات دعم الجماعات الإرهابية دون عرقلة تدفق المساعدات المشروعة للسكان المدنيين.
الإطار القانوني: من قائمة الإرهاب إلى النهج الانتقائي الجديد
صنف الاتحاد الأوروبي حماس والجهاد الإسلامي كمنظمتين إرهابيتين منذ أوائل الألفية الثالثة، ضمن إطار الموقف المشترك 2001/931/PESC، المعروف بـ“القائمة الأوروبية للإرهابيين”، والذي يضم أفرادًا وجماعات وكيانات تخضع لإجراءات تجميد الأصول وحظر التمويل. ما يميز النظام الخاص لعام 2024 هو مستوى الدقة؛ فبروكسل تستطيع تجاوز مجرد استهداف الجماعات بشكل عام، لتطال من “يدعمون أو يسهلون أو يمكنون” أعمالها، حتى لو لم يكونوا جزءًا رسميًا من هياكلها.
تأتي هذه الأداة الجديدة استجابة لمشكلة كانت الأجهزة الأوروبية نفسها تقر بها سرًا: أن قائمة المنظمات الإرهابية كانت ضرورية، لكنها غير كافية لتتبع شبكات الدعم الاقتصادي، أو محافظ الاستثمار في دول ثالثة، أو الأطراف الوسيطة التي لا تظهر أبدًا في الهياكل التنظيمية الرسمية. وقد أدت حرب غزة ورد الفعل السياسي الذي تلاها إلى تسريع اعتماد القرار (السياسة الخارجية والأمنية المشتركة) 2024/385 ولائحته التوأم، اللذين يحددان الأساس القانوني للعقوبات الانتقائية.
يُظهر هذا تباينًا كبيرًا مع أطر أخرى، مثل العقوبات المفروضة على روسيا أو إيران. ففي حالة حماس والجهاد الإسلامي، لا ينصب التركيز على دولة بعينها، بل على هياكل تمويل عابرة للحدود وذات طبيعة غامضة. هذا الأمر يدفع الاتحاد الأوروبي إلى صقل أدواته والتعاون بشكل أوثق مع السلطات المالية في الدول الثالثة.
التأثير الفعلي: البنوك، الامتثال، ومعركة تتبع الأموال
بعيدًا عن البعد السياسي، يكمن السؤال الرئيسي في مدى تأثير هذه العقوبات فعليًا على قدرات حماس والجهاد الإسلامي. على الصعيد المالي، يظهر التأثير المباشر في أنظمة الامتثال المصرفي. يتعين على أي كيان يتعامل باليورو، سواء كان بنكًا فرنسيًا كبيرًا أو فرعًا في الخليج يستخدم مراسلين أوروبيين، مراجعة قوائمه الداخلية، وحظر المعاملات المشبوهة، والإبلاغ عن أي عمليات تتعلق بالأطراف الخاضعة للعقوبات.
تُظهر الأمثلة الحديثة أن هذا الحصار ليس نظريًا. فقبل أسابيع قليلة فقط، اعتقلت السلطات الإيطالية تسعة أشخاص بتهمة تحويل حوالي 7 ملايين يورو إلى منظمات مرتبطة بحماس عبر منظمات غير حكومية وهياكل خيرية. وقد كشفت عمليات مماثلة في دول أعضاء أخرى أن شبكات التمويل تجمع بين مسارات مصرفية معقدة وهياكل غامضة في دول ثالثة.
مع ذلك، يقر خبراء الرقابة سرًا بأن الأخطر هو أن جزءًا من هذه التدفقات ينتقل خارج الرقابة الرسمية، عبر أنظمة تحويل غير رسمية (الحوالة)، والاستخدام المكثف للنقد أو العملات المشفرة، والتحويلات المثلثة مع ولايات قضائية غير متعاونة. النتيجة واضحة: العقوبات تُصعّب عمل شبكات دعم حماس، لكنها ترفع أيضًا مستوى التحدي أمام المشرفين والبنوك ووحدات الاستخبارات المالية الأوروبية.
غزة، الأمم المتحدة، والرسالة السياسية من بروكسل
يأتي قرار تمديد العقوبات في سياق سياسي بالغ الأهمية. ففي ديسمبر 2025، أيد المجلس الأوروبي القرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي ينص على إنشاء مجلس للسلام وقوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار، كجزء من خطة شاملة لإنهاء الصراع في غزة.
في هذا الإطار، جددت الدول السبع والعشرون تأكيدها على دعم حل الدولتين، الذي يضمن تعايش إسرائيل وفلسطين “ضمن حدود آمنة ومعترف بها”. يتناسب تمديد العقوبات مع هذه الرؤية، فهو يهدف إلى عزل الجماعات التي ترفض أي حل تفاوضي ماليًا، بينما يطالب في الوقت ذاته بمزيد من الدعم الدولي لإعادة إعمار غزة وتعزيز السلطة الفلسطينية.
التباين بين اللغة الدبلوماسية وصرامة الإجراءات الاقتصادية واضح للعيان. تحاول أوروبا الجمع بين أقصى درجات الضغط على حماس والجهاد الإسلامي وخطاب يحترم القانون الدولي ومبدأ التناسب. النتيجة هي توازن هش: فأي خطأ، مثل عقوبات تؤثر بشكل غير مباشر على الجهات الفاعلة الإنسانية، قد يغذي خطاب من يتهمون الاتحاد الأوروبي بالتحيز.
مخاطر، ثغرات، وتداعيات جانبية على المساعدات الإنسانية
يتمثل القلق الأكبر للمنظمات غير الحكومية والوكالات الإنسانية في أن يؤدي تشديد الحصار المالي إلى معاقبة وصول المساعدات المشروعة إلى السكان الفلسطينيين. فالعقوبات لا تستهدف رسميًا غزة ولا مؤسسات السلطة الفلسطينية، لكن خطر المبالغة في الامتثال من جانب البنوك والشركات حقيقي: ففي حال الشك، تختار العديد من الكيانات حظر العمليات “الرمادية” لتجنب العقوبات والغرامات.
يكشف هذا الواقع عن توتر جوهري في جميع أنظمة العقوبات الحديثة: فالخط الفاصل بين الضغط على الهياكل الإرهابية والضرر الجانبي الذي يلحق بالاقتصاد المدني رفيع جدًا. لهذا السبب، أدخلت بروكسل في السنوات الأخيرة بنود استثناء إنساني في عدة أطر، بما في ذلك قائمة مكافحة الإرهاب العامة، مما يسمح بالترخيص للمعاملات المرتبطة بالمساعدات، والصحة، والمياه، أو الطاقة الأساسية.
ومع ذلك، تشكو المنظمات العاملة على الأرض من أن فترات الحصول على التصاريح قد تمتد لأسابيع أو أشهر، وأن مجرد وجود مخاطر تتعلق بالسمعة يكفي لانسحاب بعض البنوك من الأسواق التي تُعتبر “حساسة”. التشخيص واضح: بدون تنسيق أدق بكثير بين السلطات والبنوك والجهات الفاعلة الإنسانية، قد تتحمل التكلفة النهائية للعقوبات تلك الفئة من السكان التي يدعي الاتحاد الأوروبي أنه يسعى لحمايتها.
ماذا بعد عام 2027؟
رغم أن القرار المتخذ هو تمديد رسمي لمدة عام واحد، لا يعتقد أحد في بروكسل أن المشكلة ستختفي بحلول عام 2027. فإذا لم يتحسن الوضع الأمني بشكل ملموس ولم تتوطد التطورات الملموسة نحو حل الدولتين، فمن المرجح أن تُجدد العقوبات مرة أخرى، ربما مع تعديلات في قائمة الأفراد والكيانات. يعترف العديد من الدبلوماسيين بأن النظام الخاص ضد حماس والجهاد الإسلامي مُقدر له أن يتعايش لسنوات مع أطر أخرى، مثل العقوبات المفروضة على الإرهاب العالمي أو على الدول المعادية.
تُعتبر السيناريوهات الأكثر طموحًا، مثل مراجعة تخفيضية للإجراءات ضمن اتفاق سياسي واسع يشمل نزع السلاح وإعادة الإدماج والضمانات الدولية، بعيدة المنال في الوقت الحالي. في المقابل، يُرى تعزيز المكون الفني أمرًا محتملًا، ويشمل ذلك زيادة التعاون مع دول الخليج وشمال إفريقيا الرئيسية، واستخدامًا أكبر للاستخبارات المالية، وتشديد التزامات الشفافية للهياكل الشركات المعقدة داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
في الختام، يُرسخ التمديد حتى عام 2027 اتجاهًا واضحًا: أوروبا تدرك أن المعركة ضد الإرهاب تُخاض أيضًا في الميزانيات البنكية، وفي السجلات التجارية، وفي أنظمة الدفع الدولية. ويتمثل التحدي في الحفاظ على هذا الحصار دون تقويض مبادئ التناسب، وسيادة القانون، وحماية السكان المدنيين التي يرفعها الاتحاد الأوروبي كسمة مميزة له.









