اقتصاد

الاتحاد الأوروبي يشدد الخناق: رسوم جمركية جديدة على واردات الصلب لحماية صناعته

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في خطوة تعكس مخاوف متزايدة على مستقبل صناعاتها التقليدية، كشف الاتحاد الأوروبي، يوم الثلاثاء، عن حزمة رسوم جمركية جديدة صارمة تستهدف واردات الصلب. هذه الإجراءات، التي تحاكي إلى حد كبير السياسات الحمائية التي انتهجها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، تأتي بهدف حماية قطاع الصلب الأوروبي المتعثر من المنافسة الشرسة والضغوط الاقتصادية المتزايدة.

اقترحت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذي للاتحاد، فرض رسوم جمركية بنسبة 50%، وهو ما يمثل ضعف المعدل الحالي، على جميع واردات الصلب التي تتجاوز حصة محددة سيتم خفضها بنحو 45%. هذا الاقتراح، الذي أكدته تقارير بلومبرغ، يمثل تحولًا جذريًا في السياسة التجارية الأوروبية، ويهدف إلى إحكام السيطرة على تدفقات الصلب إلى السوق المشتركة.

إجراءات غير مسبوقة لحماية الصناعة

وصف مفوض الصناعة في الاتحاد الأوروبي، ستيفان سيجورنيه، هذه البنود بأنها “تقييدية للغاية ولا سابقة لها في أوروبا”، مؤكداً أن تطبيقها سيجعل نحو 10% فقط من الصلب المستخدم في السوق الأوروبية معفى من الرسوم الجمركية. هذا الإجراء يأتي استجابةً مباشرة لتحديات عميقة تواجه الصناعات الأوروبية، مثل وفرة الإمدادات المدعومة من الصين، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الطلب المحلي.

تهدف هذه السياسات إلى توفير درع حماية لقطاع الصلب الأوروبي، الذي عانى طويلًا من ضغوط التنافسية والإغراق. فالأمر لا يتعلق فقط بحماية الوظائف والاستثمارات، بل بالحفاظ على قاعدة صناعية استراتيجية تُعد ركيزة أساسية للاقتصاد الأوروبي وقدرته التنافسية على المدى الطويل.

تنسيق مع واشنطن أم مسار منفرد؟

ستجعل هذه الإجراءات الرسوم الأوروبية متوافقة مع الضريبة الأميركية البالغة 50% المفروضة على معظم واردات الصلب والألمنيوم الأجنبية. ويأتي ذلك في ظل سعي الاتحاد الأوروبي لإقناع الولايات المتحدة بخفض معدلها على الصلب الأوروبي، وتوجيه الإجراءات بشكل مشترك ضد ما يعتبرانه ممارسات تجارية غير عادلة من الصين.

غير أن المحادثات بين الجانبين لم تُحرز تقدماً ملموساً منذ التوصل إلى اتفاق تجاري في يوليو الماضي، والذي حدّد الرسوم الأميركية عند 15% على معظم الصادرات الأوروبية. أكد سيجورنيه تطلع الاتحاد الأوروبي لإجراء مباحثات مثمرة مع الولايات المتحدة، مشددًا على أن الجانبين يتشاركان نفس الأجندة الصناعية المتمثلة في زيادة الإنتاج المحلي، وتحقيق نمو اقتصادي أعلى، وحماية الصناعات الوطنية.

آلية دائمة وحصص مخفضة

يعتمد الاتحاد الأوروبي حالياً نظاماً مؤقتاً يفرض رسوماً بنسبة 25% على معظم واردات الصلب بعد استنفاد الحصص، لكن هذا النظام ينتهي العام المقبل. لذا، دفعت المفوضية الأوروبية باتجاه إعداد آلية دائمة وأكثر صرامة لضمان استقرار وحماية القطاع على المدى الطويل.

بموجب الإجراءات الجديدة المقترحة، سيتم خفض الحصة الإجمالية لجميع فئات الصلب إلى 18.35 مليون طن سنوياً، أي أقل بنحو 45% من المستوى الحالي. وتحدد الخطة حصصاً لكل نوع من المنتجات بناءً على متوسطات تاريخية، مما يعكس نهجاً مدروساً لتنظيم السوق.

ولا يزال يتعيّن على دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي الموافقة على المقترح ليصبح ساري المفعول. وقد أكدت المفوضية أن خطتها تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية، وأنها ستجري مناقشات مع الدول المتأثرة بشأن تخصيص الحصص الخاصة بكل منها، في محاولة لضمان الشفافية والعدالة.

تداعيات محتملة على بريطانيا

من المرجّح أن تصيب هذه الرسوم الجديدة صناعة الصلب البريطانية المتعثرة بأضرار بالغة، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يمثل سوقاً حيوياً لها. فوفقاً لبيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، يشتري الاتحاد الأوروبي نحو ثلثي صادرات الحديد والصلب من المملكة المتحدة، مما يجعل أي تغيير في سياسته التجارية ذا تأثير كبير على الجانب البريطاني.

تأتي هذه التطورات في وقت حساس بالنسبة للقطاع البريطاني، الذي شهد تأميم آخر مصنع لإنتاج الصلب البكر في البلاد بعد قرار مالكه الصيني بوقف الإنتاج. وفي الشهر الماضي، أوقفت الحكومة البريطانية جهودها لإقناع الولايات المتحدة بإلغاء رسوم بنسبة 25% على الصلب البريطاني، بعدما خلصت إلى أن الإبقاء على هذه النسبة أفضل من العودة إلى التعريفة البالغة 50% التي فرضتها إدارة ترمب على صادرات دول أخرى، مما يعكس تعقيدات المشهد التجاري العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *