عرب وعالم

الإغلاق الحكومي في أمريكا: أزمة سياسية تهدد لقمة عيش 800 ألف موظف

في قلب عاصمة القرار العالمي، واشنطن، يستيقظ مئات الآلاف من الموظفين على مستقبل غامض، بعد أن أسدل الليل ستاره على فشل السياسيين في إبقاء أبواب حكومتهم مفتوحة. الإغلاق الحكومي ليس مجرد مصطلح سياسي، بل هو قصة أزمة عميقة تضرب الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ سبع سنوات، وتكشف عن انقسام حاد يهدد استقرار أكبر اقتصاد في العالم.

على حافة الهاوية.. كيف وصلت واشنطن إلى طريق مسدود؟

بدأ العد التنازلي مع دقات منتصف ليل الثلاثاء، الذي يمثل نهاية السنة المالية في أمريكا، ليعلن رسميًا عن بدء الإغلاق. جاء ذلك بعد أن فشل الكونغرس الأمريكي، وتحديدًا مجلس الشيوخ، في تمرير مشروع قانون حيوي يهدف لتمويل الإدارات الفيدرالية مؤقتًا، لتجد واشنطن نفسها في مواجهة أزمة سياسية جديدة لم تشهدها منذ قرابة سبع سنوات.

كانت الأنظار معلقة على تصويت مجلس الشيوخ، ورغم سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس، إلا أنهم اصطدموا بعقبة الأغلبية المطلوبة (60 صوتًا من أصل 100). انتهى التصويت بحصول المشروع على 55 صوتًا مؤيدًا مقابل 45 رافضًا، وهو ما منح الديمقراطيين ورقة ضغط قوية، وأبقى مصير الحكومة معلقًا حتى إشعار آخر.

صراع الإرادات تحت قبة الكابيتول

لم تكن الأزمة وليدة اللحظة، بل هي تتويج لشهور من التجاذبات. فبينما يرى الجمهوريون، على لسان زعيم الأغلبية جون ثون، أن الديمقراطيين يعرقلون تمرير القانون “لأغراضهم الحزبية”، مؤكدين أنهم لن يُؤخذوا “رهينة” لمطالب تتعلق بالرعاية الصحية للمهاجرين، يرد زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر، باتهام الجمهوريين بـ”الكذب” وتجاهل احتياجات المواطن الأمريكي.

تكمن جذور الخلاف في رؤيتين متناقضتين تمامًا لمستقبل الإنفاق الحكومي:

  • الحزب الجمهوري: يسعى لتمرير تمديد قصير الأجل لمستويات الإنفاق الحالية، وهو ما يتماشى مع سياسة الرئيس دونالد ترامب التي عملت طوال الأشهر التسعة الماضية على تقليص حجم الحكومة وتخفيض الإنفاق بشكل كبير.
  • الحزب الديمقراطي: يرفض هذا النهج، ويطالب بضمانات حقيقية لحماية برامج الرعاية الصحية لملايين الأمريكيين، ووقف التخفيضات التي طالت برنامج “ميديكيد” ومراكز السيطرة على الأمراض، معتبرين أن التفاوض يصبح بلا جدوى إذا كانت الإدارة ستتجاهل الاتفاقات لاحقًا.

الثمن الإنساني.. 800 ألف أسرة في مهب الريح

بعيدًا عن أروقة السياسة، فإن التكلفة الإنسانية للإغلاق تبدو باهظة. فوفقًا لتقديرات مكتب الموازنة بالكونغرس، سيجد نحو 800 ألف موظف فيدرالي أنفسهم في إجازة إجبارية مفتوحة، وهو ما يعني توقف رواتبهم فجأة. هذا الرقم الهائل لا يمثل مجرد موظفين، بل أسر بأكملها ستواجه صعوبات في دفع فواتيرها وتأمين احتياجاتها اليومية.

حتى الجنود في الجيش، الذين سيستمرون في أداء واجباتهم باعتبارها خدمات أساسية، لن يتقاضوا رواتبهم إلا بعد انتهاء الأزمة. هذا الوضع يضع عبئًا نفسيًا وماديًا هائلاً على كاهل من يُفترض بهم حماية البلاد، بتكلفة يومية للإجازات الإجبارية تُقدر بنحو 400 مليون دولار.

خدمات حيوية تتأهب للتوقف

لن يتوقف الأمر عند الموظفين، بل ستمتد آثاره لتطال حياة المواطنين العاديين. فبينما ستستمر الخدمات الضرورية مثل مراقبة الحركة الجوية وإنفاذ القانون، فإن العديد من الخدمات الأخرى ستتأثر بشدة:

  • توقف أو تباطؤ برامج المساعدة الغذائية والقروض الطلابية.
  • إغلاق المتنزهات الوطنية والمتاحف الفيدرالية ومكتبة الكونغرس.
  • تأخير عمليات التفتيش على سلامة الأغذية.
  • توقف خدمات إصدار بطاقات الضمان الاجتماعي الجديدة.

ترامب والإغلاق.. استراتيجية مختلفة أم مقامرة خطرة؟

الملفت في هذه الأزمة هو رد فعل البيت الأبيض، الذي يبدو غير مكترث بتداعيات الإغلاق المطول. على عكس الإدارات السابقة التي كانت تعتبر الإغلاق فشلاً سياسياً، تبدو إدارة ترامب وكأنها تراه فرصة لتسريع أجندتها لتقليص الجهاز الحكومي. بل وصل الأمر إلى تهديد مسؤولين بأن الإغلاق سيُستخدم لتحديد الموظفين “غير الأساسيين” تمهيدًا لتسريحهم بشكل دائم.

هذا الموقف يحول الإغلاق من أداة ضغط سياسي مؤقتة إلى تهديد وجودي لمستقبل آلاف الوظائف، مما يضيف بعدًا جديدًا وخطيراً للأزمة الحالية، ويجعلها مختلفة عن سابقاتها التي كانت تنتهي غالبًا بعودة الأمور إلى طبيعتها.

زلزال اقتصادي أم هزة عابرة؟

يتوقف حجم الضرر الاقتصادي على مدة الإغلاق. يرى المحللون أن كل أسبوع من الإغلاق قد يخفض النمو الاقتصادي بنسبة تتراوح بين 0.1 إلى 0.2 نقطة مئوية. ورغم أن الأسواق المالية لم تظهر قلقًا كبيرًا حتى الآن، إلا أن هناك مخاوف من أن هذا الإغلاق قد يكون مختلفًا.

فالتهديد بتسريح الموظفين بشكل دائم، بالإضافة إلى الاضطراب في اقتصاد يعاني بالفعل من تحديات أخرى، قد يترك ندوبًا أعمق. ومما يزيد القلق في وول ستريت هو التأخير المحتمل في صدور تقرير الوظائف الشهري الذي يصدره مكتب إحصاءات العمل، وهو مؤشر حيوي لصحة الاقتصاد.

تاريخ من الصدامات

تعتبر عمليات الإغلاق الحكومي سمة شبه فريدة من نوعها في السياسة الأمريكية، نتيجة لطبيعة نظام فصل السلطات. ومنذ عام 1980، شهدت البلاد 15 إغلاقًا. كان أطولها في عهد ترامب نفسه، حيث استمر 35 يومًا بسبب الخلاف على تمويل الجدار الحدودي، وكلف الاقتصاد آنذاك 11 مليار دولار، لم يتم استرداد 3 مليارات منها أبدًا، وهو ما يطرح تساؤلاً مقلقًا حول التكلفة النهائية للأزمة الحالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *