الإسراء والمعراج.. ذكرى خالدة تجدد الوعي بقضية الأقصى وتلهم الصمود
علماء الأزهر يؤكدون: رحلة الإسراء والمعراج نقطة ارتكاز لقضية القدس وتجديد للعزيمة الإسلامية

تحل علينا اليوم ذكرى الإسراء والمعراج بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، ثم عروجه إلى السماء، وهي مناسبة تتزامن مع استحضار الأمة الإسلامية لاستعادة صلاح الدين الأيوبي للقدس الشريف.
وقد جرت رحلة الإسراء والمعراج ليلًا في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 621 ميلادية، وتحديدًا بين السنة الحادية عشرة والثانية عشرة من البعثة النبوية. ويعد المسلمون هذه الرحلة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأحداث المحورية في تاريخ الدعوة الإسلامية.
وفي هذا السياق، استطلعت آراء أساتذة وعلماء من إعلام الأزهر حول الأثر العميق لرحلة الإسراء والمعراج والدروس المستفادة منها، وكذلك دلالات استعادة صلاح الدين للقدس.
يؤكد الدكتور محمود الصاوي، وكيل كلية الدعوة والإعلام بجامعة الأزهر، أن الله تبارك وتعالى فضل بعض الأوقات على بعض لحكم ومقاصد سامية. فكما أظهر سبحانه يوم عرفة وأخفى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فإن ذلك يدفع المسلم إلى الاجتهاد في الطاعة والعبادة لينال النفحات الإلهية في هذه الأوقات الشريفة.
وأضاف الدكتور الصاوي، أنه على الرغم من الإجماع على وقوع معجزة الإسراء والمعراج، إلا أن هناك تباينات في تحديد توقيتها الدقيق. فبينما يرى البعض أنها وقعت في شهر رجب، وهو القول المشهور وموعد الاحتفال بها في كثير من الدول الإسلامية، يرى آخرون أنها كانت في ربيع الأول أو رمضان، وحتى من قال برجب، اختلفوا هل كانت في السابع عشر أم السابع والعشرين منه.
كيفية الاحتفال العملي للأمة بهذه المناسبة
وشدد الدكتور الصاوي على أن قضية القدس والمسجد الأقصى تمثل نقطة الارتكاز الأساسية في هذه المناسبة الجليلة من عدة جوانب:
- التأصيل العقدي للقضية: يجب تحويل القضية من نزاع سياسي إلى قضية عقدية راسخة، ففلسطين ليست مجرد نزاع على حدود، بل هي آية في كتاب الله، والمسجد الأقصى هو القبلة الأولى ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا غابت العقيدة، بردت العاطفة بمرور الزمن.
- صناعة الوعي التاريخي: تقع على عاتق المشتغلين بصناعة الوعي، من دعاة ومثقفين وإعلاميين، مسؤولية كشف زيف الروايات التي تحاول نزع الشرعية عن الحق الإسلامي في الأقصى، مثل فرية الهيكل المزعوم أو الديانة الإبراهيمية. فالذاكرة القوية تبنى على حقائق تاريخية صلبة.
- مواجهة الرتابة والتعود: إن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى الأسير هو الإلف مع الألم أو اعتياد المشهد. لذا، فإن واجب الداعية يقتضي تجديد الخطاب الدعوي والثقافي والتربوي، وابتكار أساليب تربط المسلم يوميًا بالمسجد الأقصى.
من جانبه، أوضح الدكتور مصطفى مندي، أستاذ الصحافة والنشر بكلية الإعلام جامعة الأزهر، أن رحلة الإسراء والمعراج كانت بمثابة إعلان لانتقال القيادة البشرية إلى الأمة الإسلامية، وإيذانًا بعالمية الدعوة. فقد بشرت هذه الرحلة العظيمة المسلمين الأوائل المضطهدين في مكة بقيادة الإنسانية تحت ظلال الإسلام وخلف النبي القدوة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأشار الدكتور مندي إلى أن الرحلة العظيمة ربطت بين مكة والمدينة المنورة والقدس الشريف، أو بيت المقدس كما سماها رسول الله في الأحاديث الشريفة. فقد كان الانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لتتم الرحلة العلوية إلى ما فوق السماوات السبع، ثم العودة إلى المسجد الأقصى ومنه إلى مكة المكرمة مرة أخرى. ومن هذا الربط، يتضح أن القدس في عقيدتنا لها مكانة مكة والمدينة، فمن يفرط في القدس اليوم، قد يفرط في مكة والمدينة غدًا.
وأكد أن فلسطين، الأرض المقدسة كما وصفها القرآن، ليست كأي بلد آخر، فهي قلب أوطاننا العربية والإسلامية، وفلذة كبد أرضنا التي شهدت نهاية المغول والصليبيين، وغدًا ستشهد نهاية المشروع الصهيوني. وهي أيضًا خلاصة رأسمالنا، فبدونها ينقطع الاتصال بين العالم العربي في المشرق والمغرب. فإذا كانت مصر والشام كجناحي طائر للعالم العربي والإسلامي، فإن فلسطين هي قلب هذا الطائر.
وأضاف الدكتور مندي أن من أسماء سورة الإسراء الواردة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة بني إسرائيل. وقد تحدثت السورة عن إفساد بني إسرائيل في الأرض ونهايتهم بعدما بدأت بحادثة الإسراء. وهي معجزة قرآنية لم تتحقق إلا خلال القرن الماضي عندما نجح المشروع الصهيوني في إقامة الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين الحبيبة. وها نحن نشهد تراجع هذا المشروع، مما يبشر بنهايته قريبًا كما تحدثت سورة الإسراء.
وعلى هذا، فإن رحلة الإسراء والمعراج حاضرة في يومنا، يفوح عبيرها الزكي من أرض الإسراء في القدس، حيث صلى النبي محمد إمامًا بالأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
ولفت الدكتور مندي إلى أهم الدروس المستفادة من هذه المعركة، والتي لو قورنت بما يفعله الصهاينة المعتدون الآن، لتبينت عظمة الإسلام وسلوك القادة المسلمين في المعارك الحربية. ومن هذه الدروس حسن معاملة المسلمين لأهالي القدس، والعمل على راحتهم ورعاية مصالحهم، على عكس ما فعله الكيان الصهيوني من ممارسات قتل بشعة للرجال والنساء والأطفال، مما يؤكد عظمة الإسلام وتسامحه.
وأكد أن انتصار المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين يوم 25 من ربيع الآخر 583 هـ، مهد الطريق نحو مدينة القدس الشريف. وقد أصبحت المدينة آنذاك ملجأ للأمراء الصليبيين الذين تحصنوا بها، وبلغ عددهم حوالي ستين ألفًا.
من جهته، تطرق الدكتور حسن فرحات، أستاذ الصحافة والنشر بكلية الإعلام جامعة الأزهر، إلى أن رحلة الإسراء كانت اختبارًا جديدًا للمسلمين في إيمانهم ويقينهم، وسببًا لمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم عجائب القدرة الإلهية، وتخفيف أحزانه وهمومه، وتجديد عزمه على مواصلة الدعوة والتصدي للأذى.
وأضاف الدكتور فرحات أن من أهم الدروس المستفادة هي أن الرحلة كانت نقطة تحول في طريق الدعوة إلى الله، وأثبتت نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصدقها، كما أكدت أن جميع الأنبياء يعبدون الله عز وجل، وأنهم إخوة ودينهم واحد.









