الأوقاف تحدد خطبة الجمعة: رعاية الإسلام للطفولة وحماية الأبناء من إدمان الألعاب الإلكترونية
الخطبة تتناول عناية الإسلام بالطفل قبل وبعد الولادة، وتحذر من مخاطر الإدمان الرقمي

أعلنت وزارة الأوقاف عن موضوع خطبة الجمعة المقرر إقامتها في 26 ديسمبر 2025، الموافق 6 رجب 1447 هـ، والتي جاءت تحت عنوان «مظاهرُ عنايةِ الإسلامِ بالطفولة».
وكشفت الوزارة أن الخطبة الثانية ستتناول موضوع «حماية الأطفال من الألعاب الإلكترونية» ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك»، مؤكدة على أهمية التصدي لهذه الآفة الحديثة التي تسرق أعمار الأبناء.
استهلت الخطبة بالحمد والثناء لله تعالى، والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تناولت مظاهر عناية الإسلام بالطفولة، مؤكدة أن هذا الدين قد أرسى حضارة تبدأ من المهد، وأقام بناء الإنسان قبل أن يقف على قدميه، وذلك من خلال ثلاث قضايا كبرى: العناية قبل الولادة، ثم العناية بعد الولادة، وأخيرًا الحماية من الضياع والانتهاك. واختتمت الخطبة الأولى بالإشارة إلى أن الخطبة الثانية ستخصص للتحذير من آفة الألعاب الإلكترونية عندما تتحول إلى إدمان وخراب.
عناية الإسلام بالطفولة قبل الولادة
أوضحت الخطبة أن الإسلام لا ينتظر مجيء الطفل إلى الدنيا ليبدأ في التفكير في حقوقه، بل يبدأ الاهتمام به قبل أن تُنفخ الروح، وقبل الصرخة الأولى، من خلال بناء البيت الذي سيولد فيه الطفل. فالطفل ينشأ في مناخ، فإن كان هذا المناخ دينًا وأمانًا واستقامة، خرج الطفل على الفطرة سالمًا قويًا، وإن كان فسادًا وشجارًا، خرج يحمل من الكسور ما لا يراه الناس.
وفي هذا السياق، استشهدت الخطبة بالتوجيه النبوي الحاسم في اختيار الأصل الذي تُغرس فيه الذرية، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (رواه البخاري 5090، ومسلم 1466).
كما أكدت الخطبة على قاعدة «المسؤولية» في بناء الأسرة، فجعلت الأب راعيًا والأم راعية، وجعلت الجميع مسؤولين أمام الله، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ» (رواه البخاري 2554، ومسلم 1829). وشددت على أن الإنجاب بلا رعاية وتوجيه يؤدي إلى ضياع الأبناء، وأن الفساد يبدأ حين ينام الراعي عن رعيته.
ومن مظاهر عناية الإسلام قبل الولادة، صيانة حق الحياة، حيث عظّمت الشريعة النفس الإنسانية دون تفريق بين قوي وضعيف، وكان حق الجنين أعظم في وجوب الحفظ والرعاية. وأشارت الخطبة إلى أن الاعتداء على النفس ليس جريمة فردية، بل هو هدم لحرمة المجتمع كله، لأن المجتمع الذي يستهين بقتل الضعيف سيهوّن ظلم القوي.
وتطرقت الخطبة إلى جانب النفقة والرعاية المعيشية، مؤكدة أن الإسلام لا يريد طفولة جائعة ثم يطالبها بالطاعة والهدوء، بل يقطع الطريق من البداية، مستشهدة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» (رواه مسلم 996). واعتبرت أن التضييع هنا خيانة مركبة: خيانة للولد، وخيانة للبيت، وخيانة للمجتمع.
وأشارت الخطبة إلى أن الإسلام يوجه الرجل إلى الاعتدال في عبادته ليصنع بيتًا متوازنًا، لا يحرقه تشدد الأب ولا تطفئه غفلته، مستشهدة بقول سلمان الفارسي رضي الله عنه: «إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ»، وقد صدّق النبي صلى الله عليه وسلم قوله (رواه البخاري 1968). فالتربية الحقة تبدأ من توازن المربي وحضوره وقدرته على الاحتواء.
ولفتت الخطبة إلى أن الإسلام يجعل الرعاية «ديانة» لا «مزاجًا»، فالمطلوب الإحسان إلى الأطفال لأن الله أمر بذلك، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك شعار أهل الإيمان، حيث قال: «مَن لا يَرحَمْ، لا يُرحَمْ» (رواه البخاري 5997، ومسلم 2318).
عناية الإسلام بالطفولة بعد الولادة
أكدت الخطبة أن الإسلام يحتضن الطفل بعد الولادة بمنهج كامل، يرعاه رحمة وتربية وتعليمًا وتأديبًا. وأشارت إلى أن أول ما يلقاه الطفل في الإسلام هو الرحمة، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن لا يَرحَمْ لا يُرحَمْ» (رواه البخاري 5997، ومسلم 2318)، وقوله: «ليسَ مِنَّا مَن لم يَرحَمْ صغيرَنا، ولم يوقِّرْ كبيرَنا» (رواه الترمذي 1919، صحيح). فالرحمة هنا ركن من أركان التربية، لأن الطفل الذي ينشأ على القسوة إما أن ينكسر أو يتمرد.
واستعرضت الخطبة مشاهد من السيرة النبوية التي تظهر مركزية الطفل في المنهج النبوي، مثل ما ثبت عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يصلّي وهو حاملٌ أُمامةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ، فإذا سجدَ وضعَها، وإذا قامَ حملَها» (رواه البخاري 516، 5996، ومسلم 543).
ومن دقة التربية النبوية، الاعتراف بمشاعر الطفل وعدم السخرية منها، كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه: «كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وكانَ لي أخٌ يُقَالُ له: أبو عُمَيْرٍ -قالَ: أحْسِبُهُ- فَطِيمًا، وكانَ إذَا جَاءَ قالَ: يا أبَا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ نُغَرٌ كانَ يَلْعَبُ به، فَرُبَّما حَضَرَ الصَّلَاةَ وهو في بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بالبِسَاطِ الذي تَحْتَهُ فيُكْنَسُ ويُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ ونَقُومُ خَلْفَهُ، فيُصَلِّي بنَا» (متفق عليه البخاري 6203، مسلم 2150)، وذلك بعد موت طائر صغير كان يلعب به الغلام.
كما أبرزت الخطبة تعليم الطفل الأدب بلين لا بعنف، مستشهدة بقول عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: «كنتُ غلامًا في حِجرِ رسولِ اللهِ عليه السَّلامُ وكانت يدي تطيشُ في الصحفة فقال لي النبيُّ عليه السَّلامُ يا غلامُ سمِّ اللهَ وكُلْ بيمينِك وكُلْ مما يليك» (رواه البخاري 5376، مسلم 2022). ثلاث كلمات صنعت إنسانًا يقول بعد ذلك: «فما زالت تلك طِعمتي بعدُ».
ولم يجعل الإسلام الطفل مكلفًا قبل أوانه، لكنه أعده للتكليف بالتعويد، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علِّموا أولادَكُمُ الصلاةَ إذا بلَغُوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشْرًا، وفرِّقُوا بينهم في المضاجِعِ» (رواه أبو داود 495، وأحمد، صحيح). هذا المنهج المتوازن يجمع بين الرحمة والانضباط.
وأشارت الخطبة إلى أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم لم تتوقف عند أطفال المسلمين، ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه: «أنَّ غلامًا يهوديًّا كان يخدُمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فمرِض فأتاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعُودُه فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أسلِمْ) فنظَر إلى أبيه وهو جالسٌ عندَ رأسِه فقال له أطِعْ أبا القاسمِ قال: فأسلَم قال: فخرَج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عندِه وهو يقولُ: (الحمدُ للهِ الَّذي أنقَذه مِن النَّارِ)» (رواه البخاري 1356). فالطفل يُزار ويُرحم ويُحتضن لأنه إنسان قبل أي اعتبار آخر.
حماية الأطفال من الضياع والانتهاك
أكدت الخطبة أن الحماية هي السور الذي يمنع الانهيار بعد البناء، فالطفل لا يفسد نفسه بنفسه، وإنما يفسد حين تُرفع عنه الحماية، ويُسلم للتيه، وتُفتح عليه أبواب الفتنة دون رقيب. وقررت الخطبة قاعدة المسؤولية الجامعة، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ راعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه البخاري 2554، مسلم 1829). فالأب والأم والمعلم وصاحب القرار، كلهم مسؤولون.
واعتبرت الخطبة أن التضييع جناية شرعية، ليس فقط في الطعام والكساء، بل في القيم والوقت والعقل والروح. فكم من طفل شبع بطنه وجاع قلبه، ولبس الثياب وتمزقت شخصيته.
وشددت على حماية الطفل من الاستغلال والعنف والامتهان، مؤكدة أن الإسلام عظّم حق الطفل وجعله حقًا لازمًا، وحذر من كل صور الأذى. واستشهدت بقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، وقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151]. ويشمل ذلك كل أذى بدني أو نفسي أو أخلاقي، فالإهمال فاحشة، والتحريض على العنف فاحشة، وتعريض الطفل لمحتوى مفسد فاحشة.
وأكدت الخطبة أن المجتمع شريك في الحماية، فليس البيت وحده مسؤولًا، بل المجتمع الذي يشيع العنف ويهوّن من القدوة ويترك السوء بلا ردع، يشارك في صناعة الانحراف، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره…» (رواه مسلم 49). فالمنكر الذي يهدم الطفولة من أعظم المنكرات، لأنه يخرج أجيالًا مشوهة.
واختتمت الخطبة الأولى بالتأكيد على أن حماية الطفولة فريضة زمن، لأن تضييع الطفل اليوم يعني خراب المجتمع غدًا، وأن أخطر أبواب التضييع في عصرنا هي الشاشات والألعاب الإلكترونية حين تتحول إلى إدمان وتطبيع للعنف وتسطيح للعقول.
حماية الأطفال من الألعاب الإلكترونية: بين الترويح والإدمان
تناولت الخطبة الثانية، ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك»، قضية حماية الأطفال من الألعاب الإلكترونية، مؤكدة أن من أخطر ما ابتليت به بيوت كثيرة اليوم هو أن تؤخذ الطفولة من أهلها رويدًا رويدًا، لا بعصا ولا بسوط، بل بشاشة وألعاب ملونة وعوالم افتراضية، مما يؤدي إلى ضياع الوقت وتبلد الفكر وقسوة المشاعر.
وأوضحت الخطبة أن الأصل في الترويح هو الإباحة بضوابط، فالإسلام دين توازن لا يحرم الترويح ولا يطلقه بلا قيود، وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم حق الجسد والعين، فقال: «وإنَّ لِجَسَدِكَ عليك حقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عليك حقًّا» (رواه البخاري 5199، ومسلم 1159). فالترويح المباح هو ما كان نفعًا أو راحة بلا معصية ولا ضرر، فإذا تجاوز ذلك إلى إدمان أو أذى صار ممنوعًا بقدر ضرره.
وبينت الخطبة متى تتحول اللعبة إلى خطر، وذلك إذا: عطلت صلاة أو واجبًا، غرست عنفًا أو استهانة بالدماء، نشرت إباحية أو قيمًا مخالفة للدين والهوية، أو صنعت عزلة وتوترًا وعدوانية. وذكرت القاعدة الفقهية: «الضررُ يُزالُ»، وما غلب ضرره مُنع.
وشددت على واجب الوالدين في الوقاية لا العقاب، مستشهدة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]. فمعنى الوقاية ليس صراخًا بعد الوقوع، بل حضورًا قبل الإدمان وتوجيهًا قبل الانحراف.
وقدمت الخطبة إجراءات عملية واضحة للتعامل مع هذه القضية، منها: تحديد وقت يومي ثابت للأجهزة، منع الأجهزة في غرف النوم، اختيار الألعاب بحسب المحتوى والعمر، توفير بدائل واقعية كالرياضة والقرآن والقراءة والمهارات والصحبة الصالحة. كما دعت إلى المشاركة الأبوية بالجلوس مع الأبناء وفهم عالمهم ومناقشة أفكار الألعاب، واستخدام الرقابة التقنية (التحكم الأبوي)، والتدرج في العلاج لمن أدمن، بلا كسر ولا إذلال. يمكن الاطلاع على المزيد من الإرشادات حول صحة الأطفال الرقمية.
وأكدت الخطبة على أهمية التربية على العزيمة وضبط النفس، مستشهدة بما روي عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَه» (رواه ابن أبي الدنيا في “الحلم”، والخطيب في “تاريخ بغداد”، والدارقطني في “العلل”، وابن الجوزي في “العلل المتناهية”).
واختتمت الخطبة بالدعاء لمصر بالحفظ، وللأبناء والبنات بالصلاح وحفظ العقول والقلوب، وأن يجعلهم قرة أعين لوالديهم، ويهديهم سواء السبيل.









