اكتشاف آليّة خلوية غير مسبوقة لتعديل الشبكة الإندوبلازمية مع التقدم في العمر
دراسة رائدة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الشيخوخة والأمراض المزمنة

في خطوة علمية قد تُحدث نقلة نوعية في فهمنا لآليات الشيخوخة، كشفت دراسة حديثة قادها باحثون من كلية الطب بجامعة فاندربيلت الأمريكية، عن تكيف خلوي غير معروف سابقاً يحدث مع التقدم في العمر. هذا التكيف ينطوي على إعادة تشكيل نشطة لواحدة من أكبر وأكثر الهياكل تعقيداً داخل خلايانا، وهي الشبكة الإندوبلازمية.
تُعد الشبكة الإندوبلازمية (ER) نظام نقل واسع النطاق، يضطلع بدور حاسم في عمليات كيميائية حيوية متعددة، أبرزها طي البروتينات وتخليق الدهون وتخزينها. إنها بمثابة سقالة داخل السيتوبلازم، تستخدم شكلها المعقد للمساعدة في تنظيم أجزاء أخرى من الخلية، ويمكنها تغيير شكلها في سياقات معينة، رغم أن الكثير من تفاصيل هذه التغيرات لا يزال غامضاً.
توضيح لخلية وعضياتها، مع الشبكة الإندوبلازمية باللون الأصفر. (Science Photo Library/Canva)
مع تقدم البشر والحيوانات الأخرى في العمر، تُعدّل خلايانا هذه الشبكة الحيوية. ويتم هذا التعديل عبر آلية تُعرف باسم “التهام الشبكة الإندوبلازمية” (ER-phagy)، وهي عملية لم تُكتشف إلا في السنوات الأخيرة. هذه الآلية هي نوع من الالتهام الذاتي (autophagy)، وهي عملية طبيعية تقوم فيها الإنزيمات الهاضمة بتفكيك وإعادة تدوير المكونات التالفة أو غير الضرورية في الخلية.
في سياق الالتهام الذاتي للشبكة الإندوبلازمية، يتم استهداف أجزاء محددة منها، مثل الأجزاء التالفة أو الزائدة التي قد تهدد صحة الخلية، لتفكيكها. لكن الدراسة الجديدة، التي نُشرت في مجلة “Nature Cell Biology”، تكشف أن هذه الآلية تلعب دوراً أيضاً في الشيخوخة الصحية، وربما في إطالة العمر.
لفهم دور الشبكة الإندوبلازمية في الشيخوخة، ركز الباحثون على ديدان النيماتودا الحية من نوع “Caenorhabditis elegans”، وهي كائنات نموذجية تستخدم على نطاق واسع في الأبحاث. شفافية هذه الديدان وسرعة شيخوختها تجعلها مثالية لمراقبة خلايا حيوان حي مع تقدمه في العمر.
باستخدام المجهر الفلوري والإلكتروني، قام الدكتور كريس بوركويتز، عالم الأحياء بجامعة فاندربيلت، وزملاؤه بتصوير ديناميكيات الشبكة الإندوبلازمية في الديدان اليافعة والمسنة. أظهرت النتائج تغيرات مورفولوجية مثيرة للاهتمام تعتمد على العمر، حيث تراجعت كمية الشبكة الإندوبلازمية الخشنة في خلايا الديدان مع تقدمها في العمر بشكل كبير، بينما لم تتغير الشبكة الإندوبلازمية الملساء إلا بشكل طفيف.
يقول الدكتور بوركويتز: “بينما وثّقت العديد من الدراسات السابقة كيف تتغير مستويات الآليات الخلوية المختلفة مع التقدم في العمر، فإننا نركز بدلاً من ذلك على كيفية تأثير الشيخوخة على طريقة احتواء الخلايا وتنظيمها لهذه الآليات ضمن بنيتها الداخلية المعقدة”. ويشبه الأمر المصنع، فامتلاك الآلات الصحيحة لا يكفي لجعل المصنع منتجاً ما لم يتم ترتيب هذه الآلات في الموضع والتسلسل الصحيحين. “عندما تكون المساحة محدودة أو تتغير متطلبات الإنتاج، يجب على المصنع إعادة تنظيم تخطيطه لإنتاج المنتجات المناسبة. وإذا انهار التنظيم، يصبح الإنتاج غير فعال للغاية”.
هذا التعديل في الشبكة الإندوبلازمية، كما تشير النتائج، هو “استجابة استباقية ووقائية” تحدث أثناء عملية الشيخوخة. وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير بعض التأثيرات الأوسع للشيخوخة، مثل تضاؤل القدرة على الحفاظ على البروتينات الوظيفية أو التعديلات الأيضية التي تغير كيفية تراكم الدهون.
في سياق متصل، وبينما تساعد العلوم الطبية البشر على العيش لفترة أطول، أحياناً تتجاوز المائة عام، فإن إطالة العمر هذه لا تعني بالضرورة تقوية الأجسام. وهذا يترك العديد من الناس يقضون سنواتهم الذهبية في صراع مع الوهن والأمراض المزمنة. لذا، فإن فهم هذه الآليات الخلوية يصبح أكثر أهمية.
تساعد هذه النتائج في توضيح الميكانيكا الخلوية للشيخوخة، وقد تلمح أيضاً إلى هدف دوائي محتمل للأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر. ويؤكد الدكتور بوركويتز أن “التغيرات في الشبكة الإندوبلازمية تحدث مبكراً نسبياً في عملية الشيخوخة”، مضيفاً أن “إحدى أكثر التداعيات إثارة لهذا الأمر هي أنه قد يكون أحد المحفزات لما يأتي لاحقاً: الخلل الوظيفي والمرض”.
ستستمر الأبحاث المستقبلية في استقصاء ديناميكيات الشبكة الإندوبلازمية طوال عملية الشيخوخة، بهدف توضيح ما يحدث بالضبط ولماذا، وكذلك كيفية الاستفادة من هذه المعرفة لتعزيز طول العمر الصحي.









