وصفت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية، اتفاق غزة بأنه لحظة تاريخية فارقة لا تقتصر على كونها إنجازًا تفاوضيًا، بل تمثل نقطة تحول تعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية. وأكدت أن ما بعد الاتفاق يمثل بداية لمرحلة سياسية جديدة بكل تعقيداتها، تتطلب قراءة متأنية للمشهد المستجد.
مرحلة سياسية جديدة
في تصريح خاص، أوضحت وهدان أن المرحلة التي تلي اتفاق غزة ليست نهاية لمسار الصراع، بل هي بداية لمرحلة سياسية قائمة بذاتها. هذه المرحلة تفرض تحليلًا دقيقًا لطبيعة التحولات الجارية وتأثيرها المباشر على بنية النظام السياسي الفلسطيني، وشكل العلاقة مع الاحتلال، بالإضافة إلى إعادة تموضع الدعم الإقليمي والدولي لمشروع إقامة الدولة الفلسطينية.
وأضافت أن هذه اللحظة فرضت مراجعة شاملة للخطاب الفلسطيني الداخلي. ففي ظل الانقسام بين من يرى الاتفاق تنازلًا ومن يعتبره فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، يبرز واقع جديد يستدعي الانتقال من لغة الشعارات إلى خطاب سياسي واقعي، قادر على حماية الثوابت الوطنية ومواكبة المتغيرات لتحقيق الهدف الأسمى.
ضرورة توحيد البيت الفلسطيني
وشددت أستاذة العلوم السياسية على أن الاتفاق كشف بوضوح عن هشاشة البنية الإدارية والسياسية الفلسطينية، الأمر الذي يجعل من إعادة بناء الشرعية على أسس دستورية وديمقراطية ضرورة ملحة. وأكدت على أهمية توحيد السلطة تحت مظلة وطنية واحدة تنهي حالة الانقسام المستمرة بين الضفة وغزة.
وأشارت وهدان إلى أنه لم يعد مقبولًا استمرار الازدواجية في القرار والسلطة، فالمرحلة الراهنة تتطلب سلطة مركزية موحدة تتمتع بالشرعية الكافية لإدارة المشهد السياسي بثقة ومسؤولية. وحذرت من الانجرار وراء الصراعات الداخلية أو الاعتماد على دعم خارجي غير مضمون، مؤكدة أن توحيد الصف الفلسطيني هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على الزخم الدولي.
الدور المصري المحوري
وأكدت وهدان أن الدور المصري كان محوريًا وحاسمًا في التوصل إلى هذا الاتفاق، حيث أثبتت الإرادة السياسية المصرية أن التمسك بالمبادئ لا يتعارض مع المرونة الدبلوماسية. وأوضحت أن القاهرة أدارت الملف بحكمة، موازنة بين العمل السياسي الراجح وعدم التفريط في الثوابت الوطنية والقومية المتعلقة بالقضية.
وأوضحت أن الاتفاق لم يكن ليتحقق لولا الدور العربي الفاعل، الذي قادته مصر بريادة واضحة، بدءًا من الرفض القاطع لمخططات التهجير، مرورًا بالضغط لإدخال المساعدات، وصولًا إلى تحريك الضمير العالمي. ويعكس هذا التحرك حجم التأثير الذي لا تزال تتمتع به الدبلوماسية المصرية في مسارات القضية الفلسطينية.
اختبار للشرعية الدولية
وفيما يتعلق بالموقف من الاحتلال، نبهت وهدان إلى أن مرحلة ما بعد الاتفاق ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية الشرعية الدولية. وأوضحت أن إسرائيل لا تدخل في اتفاقات من منطلق الاعتراف بالحقوق، بل من موقع إعادة ضبط استراتيجيات السيطرة، داعية إلى اليقظة لعدم السماح بتحويل التهدئة إلى أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض تضعف الموقف الفلسطيني.
واختتمت الدكتورة نيفين وهدان حديثها بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا نوعيًا من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة، عبر صياغة سردية سياسية جديدة تعكس وحدة الفلسطينيين. وأعربت عن ثقتها بأن اتفاق غزة، برعاية مصرية، لن يكون تكرارًا لتجارب سابقة، بل قد يمثل الخطوة الأولى نحو قيام دولة فلسطين الحرة ذات السيادة الكاملة.
