عرب وعالم

إيران: تصعيد القمع يواجه إدانة دولية ومخاوف من سيناريو “سوريا جديدة”

الآلاف قتلى ومعتقلون في إيران.. وتحول الخطاب الرسمي من 'محتجين' إلى 'إرهابيين' وسط تحركات أمريكية حذرة.

تتفاقم الأوضاع الإنسانية في إيران بشكل كارثي، حيث تقدر منظمات حقوق الإنسان سقوط أكثر من 3400 قتيل واعتقال ما لا يقل عن 10 آلاف شخص خلال حملة القمع الأخيرة، فيما تشير بعض المصادر إلى أعداد أعلى بكثير. تدخل إيران بذلك مرحلة حرجة، حيث قد تحدد كل خطوة من جانب النظام في طهران وواشنطن ما إذا كانت الأزمة ستظل داخلية أم ستتحول إلى بؤرة جديدة لعدم الاستقرار الإقليمي.

إيران تشهد أكبر موجة اعتقالات منذ بدء الاحتجاجات

في بيان صريح، أعلنت وكالة الاستخبارات الإيرانية اعتقال 3000 شخص خلال “الأيام الأخيرة” للاشتباه في تورطهم بـ “اضطرابات مسلحة” وصلاتهم بـ “جماعات إرهابية”. ونقلت وسائل إعلام حكومية عن الوكالة قولها: “لقد ألقينا القبض على 3000 مشاغب مسلح في الأيام الأخيرة، والعملية مستمرة”، وهو ما يمزج بين لغة الأمن القومي وتجريم المعارضة السياسية.

ما يقدمه النظام الإيراني كعملية ضد “الإرهابيين” يمثل في الواقع تصعيدًا جديدًا لحملة قمع واسعة النطاق، بدأت عقب الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر 2025. حينها، تحول السخط الشعبي من التضخم والانهيار الاقتصادي إلى شعارات صريحة ضد النظام. ومنذ ذلك الحين، تتحدث مصادر متعددة عن اعتقال عشرات الآلاف، مع استمرار الاعتقالات الليلية وعمليات الإخفاء القسري والنقل إلى مراكز احتجاز غير رسمية.

تكشف هذه التطورات عن استراتيجية مألوفة يتبعها النظام، تجمع بين استخدام القوة المميتة في الشوارع وعمليات الشرطة الواسعة النطاق التي تليها، بهدف إخلاء الأحياء المضطربة، وتحديد القادة المحليين، وبث الخوف. الرسالة العملية واضحة: أي شكل من أشكال المشاركة في الاحتجاجات يمكن تقديمه لاحقًا على أنه تعاون مع “جماعات إرهابية”.

من “محتجين” إلى “إرهابيين”: تحول في الخطاب الرسمي الإيراني

لم يكن اختيار الكلمات عشوائيًا؛ ففي الأيام الأولى للاحتجاجات، وصفت السلطات المشاركين بـ “المحتجين المضللين” و”المشاغبين”. أما الآن، فقد أصبحت التسمية السائدة هي “الإرهابيون” أو “العملاء الأجانب”، وهو تحول دلالي يحمل تداعيات قانونية وسياسية عميقة.

اتهم الرئيس مسعود بيزشكيان في خطاباته الأخيرة الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء الاضطرابات، مؤكدًا أن “إرهابيين مستوردين” هاجموا الممتلكات العامة والمساجد والمراكز الصحية. تتناسب هذه الرواية الرسمية مع نمط متكرر: إذ يتم طمس الفارق بين الاحتجاج الاجتماعي والعمل المسلح لتبرير عقوبات قاسية، بما في ذلك تهمة “المحاربة” (الحرب ضد الله)، التي يعاقب عليها بالإعدام.

وتؤكد الأرقام المتداولة تشديد الخطاب الرسمي؛ فمنظمات مثل “حقوق الإنسان في إيران” تقدر عدد القتلى من المتظاهرين بـ 3428 على الأقل، وأكثر من 10 آلاف معتقل في حملة القمع الأخيرة. في المقابل، ترفع مصادر أخرى عدد المعتقلين إلى أكثر من 50 ألف شخص منذ بدء الانتفاضة. والأخطر من ذلك هو نقل جزء من هؤلاء المعتقلين إلى مراكز سرية، دون السماح لهم بالاتصال بمحامين أو عائلاتهم، مما يمهد الطريق للاعترافات القسرية والمحاكمات السريعة.

ترامب يخفض النبرة… والبنتاغون يحرك قطعه

بالتوازي مع القمع الداخلي، يدخل الصراع مع واشنطن مرحلة غامضة للغاية. فبعد تهديدات استمرت لأيام بعمل عسكري محتمل، اختار الرئيس دونالد ترامب تجميد أي هجوم مباشر في الوقت الراهن، وتحويل الاستجابة نحو الجانب الاقتصادي. أعلن البيت الأبيض عن عقوبات جديدة ضد مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى وكيانات متورطة في القمع وتحويل عائدات النفط، وذلك ضمن استراتيجيته القائمة على “الضغط الأقصى”.

لكن هذه البادرة الظاهرية لضبط النفس العسكري يصاحبها تحركات تكتيكية على الأرض. تشير تسريبات مختلفة إلى أن الولايات المتحدة تعزز انتشارها في المنطقة – عبر القواعد الجوية والأصول البحرية وأنظمة الدفاع – لتوفير هامش للمناورة في حال خروج الأزمة عن السيطرة أو شعور الحلفاء الإقليميين بتهديد مباشر.

النتيجة الولايات المتحدة مسلح” يتسم بعدم استقرار شديد. يحتاج النظام الإيراني إلى إظهار القوة داخليًا وخارجيًا، بينما تسعى إدارة ترامب للحفاظ على مصداقيتها دون تجاوز خط الصراع المفتوح. وبين هذين القطبين، يمكن لأي حادث – هجوم على ناقلة نفط، صاروخ تم تحديده بشكل خاطئ، مناوشة حدودية – أن يشعل فتيل الأزمة. بالنسبة لأسواق الطاقة والشركاء الأوروبيين، يبقى السؤال الأكبر هو ما إذا كان الطرفان سيحافظان على الحسابات العقلانية أم سينجرفان نحو منطق التصعيد.

حصيلة بشرية تثير غضب مجموعة السبع والأمم المتحدة

بينما تتحدث طهران عن اعتقال “3000 إرهابي”، ترسم الأرقام التي تتداولها المنظمات الدولية صورة مأساوية على نطاق مختلف تمامًا. تتحدث جماعات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام الدولية عن سقوط ما بين 3000 وأكثر من 4000 قتيل منذ بدء الاحتجاجات، مع امتلاء المشارح، واكتظاظ المستشفيات، وتسليم مئات الجثث سرًا للعائلات لتجنب الجنازات الجماعية.

حذرت مجموعة السبع من فرض عقوبات جديدة في ظل “المستوى المرتفع للوفيات والإصابات المبلغ عنها”، وطالبت طهران بإنهاء القمع وفتح البلاد أمام بعثات مراقبة مستقلة. دعا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى اجتماع طارئ بناءً على طلب الولايات المتحدة، في حين توصي دول مثل كندا والبرتغال مواطنيها بمغادرة البلاد.

وتكشف هذه التطورات عن عزلة متزايدة للجمهورية الإسلامية. فبخلاف الأزمات السابقة، يواجه النظام حاليًا مزيجًا من الإدانة الدبلوماسية والضغط الاقتصادي والتدقيق الإعلامي العالمي، على الرغم من حجب الإنترنت. يبقى السؤال هو إلى متى يمكن لهذا التوازن بين القمع الداخلي الشامل والتكلفة السمعية الخارجية أن يستمر دون أن يتصدع أحد الجبهتين.

سوابق الثورات الأخرى ومخاوف من “سوريا جديدة”

وُصفت الاحتجاجات الراهنة بأنها الموجة الأكبر من المعارضة منذ ثورة عام 1979، سواء من حيث الامتداد الجغرافي – لتشمل جميع المحافظات الإحدى والثلاثين – أو من حيث الشدة والمدة. لقد أدى مزيج الانهيار الاقتصادي والتضخم الجامح والسخط من الفساد إلى رفض شامل يتجاوز الانقسامات العرقية أو الطبقية المعتادة.

بالنسبة للعديد من المراقبين، لا يقتصر الخوف على فشل الثورة فحسب، بل يمتد إلى سيناريو حرب أهلية كامنة إذا ما تفككت الدولة، وانتشرت الميليشيات أو الجماعات المسلحة، وراهنت القوى الإقليمية على أوراقها الخاصة. يلوح شبح سوريا فوق أي تحليل: نظام مستعد لفعل أي شيء للبقاء في السلطة، ومعارضة مفتتة، وتدخل خارجي، وبلد دمر كحصيلة.

يتناقض هذا الواقع بشكل صارخ مع الرواية الرسمية. فبينما يتحدث القادة الدينيون عن “الدفاع عن الجمهورية الإسلامية في مواجهة مؤامرة أجنبية”، ترى قطاعات واسعة من السكان أن الجهاز الأمني نفسه هو العامل الرئيسي لعدم الاستقرار والعنف، وليس تهديدًا خارجيًا غامضًا. النتيجة المحتملة هي زيادة خطر التطرف: فكلما تم تجريم الاحتجاج السلمي، زادت جاذبية التحول إلى أشكال المقاومة العنيفة لبعض الأفراد.

الأزمة

مقالات ذات صلة