إغلاق أميركا.. نهاية مؤقتة لأزمة عميقة
صفقة اللحظة الأخيرة تنهي أطول إغلاق حكومي في أميركا.. لكن بثمن باهظ للديمقراطيين.

إغلاق أميركا.. نهاية مؤقتة لأزمة عميقة
بعد 41 يومًا من الشلل الذي أصاب مفاصل الدولة، تتجه أزمة الإغلاق الحكومي الأمريكي إلى نهايتها. لكن خلف أبواب الكونغرس، وفي أروقة السياسة بواشنطن، تبدأ معركة أخرى أكثر تعقيدًا، معركة كشفت عن انقسامات حادة وتنازلات مريرة، وببساطة، لم تكن هناك نهاية سعيدة للجميع.
صفقة هشة
جاءت الانفراجة عبر مجلس الشيوخ، الذي أقر مشروع تمويل مؤقت ينهي الإغلاق. التصويت الذي حسم بأغلبية 60 صوتًا مقابل 40، لم يكن انتصارًا سياسيًا بقدر ما كان استجابة لضغوط الواقع؛ فاضطرابات الطيران، وتأخر المساعدات الغذائية لملايين الأسر، وغضب الموظفين الفيدراليين الذين عملوا بلا رواتب، كل ذلك شكّل ضغطًا هائلًا دفع مجموعة من الديمقراطيين الوسطيين لكسر الجمود. مشهد بدا وكأنه محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ثمن التراجع
لكن هذه الصفقة لم تكن بلا ثمن. فقد تخلى الديمقراطيون المعتدلون عن مطلبهم الرئيسي بتجديد إعانات قانون الرعاية الصحية “أوباماكير”، مقابل وعد غامض من الجمهوريين بالتصويت على الأمر لاحقًا. بحسب محللين، هذا التنازل أثار عاصفة غضب داخل الجناح التقدمي بالحزب، الذي شعر بأن قيادته تخلت عن معركة مبدئية حاسمة، وهو ما يفسر تصريحات غاضبة من شخصيات بارزة مثل حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم الذي وصف الاتفاق بـ”المثير للشفقة”.
انقسام ديمقراطي
لم يكن الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر، بل كشف عن شرخ عميق داخل الحزب الديمقراطي. فبينما احتفل الحزب قبل أسابيع بانتصارات انتخابية ركزت على تكاليف المعيشة والرعاية الصحية، بدا هذا التراجع وكأنه تخلٍ عن تلك المبادئ. وقالت السيناتور إليزابيث وارن بوضوح: “أعتقد أنه خطأ فادح”. يُظهر هذا الانقسام صعوبة توحيد صفوف الديمقراطيين في مواجهة إدارة ترامب والجمهوريين المتماسكين، مما يضعف موقفهم في أي مفاوضات مستقبلية.
مكسب جمهوري
على الجانب الآخر، يبدو أن الجمهوريين خرجوا من هذه الأزمة بمكسب تكتيكي واضح. لقد نجحوا في فرض شروطهم بإعادة فتح الحكومة أولًا قبل التفاوض على أي قضايا خلافية. الرئيس ترامب وزعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ أدارا المواجهة بصلابة، رافضين أي مساومة تحت ضغط الإغلاق. يرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية، رغم خطورتها، أثبتت فعاليتها، حيث أجبرت خصومهم على التراجع دون تحقيق أي مكاسب ملموسة.
التكلفة الإنسانية
بعيدًا عن الحسابات السياسية، تبقى التكلفة الإنسانية للإغلاق هي الأثر الأعمق. قد يستغرق الأمر أيامًا لعودة حركة الطيران لطبيعتها، وربما أسابيع لوصول المساعدات الغذائية إلى 42 مليون أمريكي يعتمدون عليها. فاتورة الإغلاق الحقيقية يدفعها المواطن العادي، الذي وجد نفسه ضحية لعبة سياسية معقدة في واشنطن، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية النظام السياسي في حماية مصالح الناس الأساسية.
في الختام، ينتهي الإغلاق الحكومي الأمريكي، لكن الانقسام السياسي الذي تسبب فيه يزداد عمقًا. الاتفاق الحالي ليس أكثر من هدنة مؤقتة، تؤجل المواجهة الحقيقية حول مستقبل الرعاية الصحية والإنفاق الحكومي. ومع بقاء القضايا الجوهرية دون حل، فإن شبح إغلاق جديد سيظل يخيم على المشهد السياسي الأمريكي، في انتظار الجولة القادمة من الصراع.




