عرب وعالم

إضراب وشيك يعصف بالسكك الحديدية الإسبانية: أزمة سلامة تضع الشبكة على المحك

سائقو القطارات الإسبانية يدعون لإضراب لمدة 3 أيام بعد حوادث متكررة، محذرين من تدهور البنية التحتية ونقص الصيانة.

في ظل توتر متصاعد يشهده قطاع السكك الحديدية الإسبانية، قرر سائقو القطارات تفعيل مكابح الطوارئ. فبعد حادثي خروج قطارين عن مسارهما في أدموز (قرطبة) وجيليدا (برشلونة)، دعا النقابيون إلى إضراب لمدة ثلاثة أيام، في 9 و10 و11 فبراير المقبل، وهو ما قد يؤثر على مئات الآلاف من الركاب يوميًا ويكشف مدى الضغط الذي تتعرض له الشبكة حاليًا.

لا يمثل هذا الاحتجاج خطوة معزولة أو مفاجئة، بل يأتي بعد أسابيع من الغضب الداخلي وتزايد بلاغات الحوادث والتحذيرات المتكررة التي لم تلق استجابة بشأن نقص الصيانة، والضغط التشغيلي، والتدهور الصامت للبنية التحتية. لقد كانت الحوادث هي الشرارة الظاهرة، لكن الوقود كان يتراكم منذ فترة طويلة.

من أدموز إلى جيليدا: حوادث الخروج عن المسار التي غيرت كل شيء

شكلت حوادث أدموز وجيليدا، التي وقعت بفارق أسابيع قليلة، نقطة تحول حاسمة. لم تقتصر تداعياتها على إغلاق الخطوط وتحويل مسارات القطارات وفتح تحقيقات فنية، بل كسرت شيئًا أصعب إصلاحه: شعور الأمان الهيكلي الذي لازم القطارات الإسبانية لسنوات طويلة.

في كلتا الحالتين، وجد سائقو القطارات وفرق التشغيل أنفسهم في الخط الأمامي لسلسلة من القرارات الفنية والإدارية التي لا تزال قيد التحليل. تشير التقارير الأولية إلى عوامل مثل أعطال في المسار، ونقص في أنظمة الصرف، وسرعات قريبة من الحد الأقصى، وشبكة تتعرض لضغط متزايد بسبب غياب فترات صيانة حقيقية.

الرسالة الواضحة القادمة من قمرة القيادة هي: “لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على الإحصائيات لحمايتنا”. فعندما تتوالى حادثتا خروج عن المسار في ممرات حيوية ذات طلب مرتفع خلال فترة قصيرة، تتلاشى فكرة أن الأمر مجرد صدفة. لم يعد النظام يواجه حوادث فردية، بل أصبح أمام اتجاه مقلق.

نقابة على المحك: السلامة خط أحمر

وصفت نقابة سائقي القطارات إضراب فبراير بأنه إجراء “متطرف ولكنه لا مفر منه”. على مدى أشهر، وجهت النقابة تحذيرات للشركات والوزارة بشأن قيود السرعة غير المدروسة، وتدهور طبقة الحصى (البالاست)، وأجزاء من الشبكة لم يتم تحديثها، وإجراءات تعتمد بشكل مفرط على خبرة السائقين وقليلًا جدًا على بنية تحتية قوية.

ومن أبرز المطالب التي طرحتها النقابة:

  • إجراء مراجعات أمنية شاملة في الأقسام التي تشهد تكرار الحوادث وحالات الخروج عن المسار.
  • تعزيز فوري لفرق صيانة السكك الحديدية والإشارات، مع تحديد أهداف قابلة للقياس.
  • مراجعة جداول التشغيل وهوامش الاستغلال، لضمان عدم تغليب الضغوط التجارية على معايير السلامة.
  • وضع خطة متعددة السنوات لتجديد المعدات وأنظمة الحماية، مع تخصيص ميزانية ملزمة.

ترى النقابة أن الوضع حاسم: إذا لم تتوقف الآلة الآن، فإن الحادث القادم سيفعل ذلك. يُنظر إلى الإضراب كتحذير قبل أن تكلف الإحصائيات، عاجلاً أم آجلاً، ثمنًا أكبر مما هو المجتمع مستعد لتحمله.

الركاب والبضائع: تداعيات إضراب ثلاثة أيام

إضراب سائقي القطارات لمدة ثلاثة أيام ليس مجرد اضطراب لوجستي عابر. ففي بلد ينقل فيه القطار حوالي نصف مليون مسافر يوميًا عبر خدمات المسافات المتوسطة والطويلة، وعددًا مماثلًا في خطوط الضواحي والقطارات الإقليمية، سيُقاس التأثير بملايين الرحلات المعطلة بين 9 و11 فبراير.

وتتعامل الشركات المشغلة بالفعل مع سيناريوهات تشمل:

  • إلغاء أعداد كبيرة من القطارات وتفعيل الحد الأدنى من الخدمات خلال ساعات الذروة.
  • تشبع البدائل البرية، مع استيعاب الحافلات والمركبات الخاصة لجزء من الطلب.
  • تأخيرات في نقل البضائع، خاصة في الممرات الرئيسية مثل ممر البحر الأبيض المتوسط والوسط والشمال، حيث تعد السكك الحديدية عنصرًا حيويًا للسلاسل الصناعية والموانئ.

لن تكون التكلفة الاقتصادية أقل وطأة: أيام عمل يشهد فيها وصول عدد أقل من الموظفين في الوقت المحدد، وتأخر في عمليات التسليم، وإعادة جدولة أو إلغاء حجوزات سياحية. في تقدير متحفظ، يحسب القطاع الخاص أن التأثير قد يتجاوز 20 أو 30 مليون يورو يوميًا بين الخسائر المباشرة وغير المباشرة.

الخطر السياسي واضح أيضًا: إذا ربط المواطن “القطار” بالإضرابات وحوادث الخروج عن المسار والانقطاعات، فإن رواية التنقل المستدام وتحويل حركة المرور من الطرق إلى السكك الحديدية ستضعف. وهذا يتعارض تمامًا مع ما تقتضيه التزامات إسبانيا المناخية والأوروبية.

نظام يعاني من سنوات من نقص الاستثمار الصامت

لم ينشأ هذا الصراع في فبراير ولم يبدأ في أدموز. فالشبكة تعاني من عبء نقص الاستثمار المتراكم في خطوط تقليدية معينة، خاصة في الممرات الثانوية والأقسام التي لا تتصدر العناوين الرئيسية ولكنها تتحمل عشرات الآلاف من المسافرين يوميًا.

بينما استوعبت شبكة القطارات فائقة السرعة جزءًا كبيرًا من الاستثمارات – أكثر من 50 مليار يورو خلال عقدين، وفقًا للتقديرات المعتادة – فإن أقسامًا رئيسية من الشبكة الكلاسيكية قد تقادمت دون خطة تجديد شاملة. حصى مستهلك، عوارض خشبية تجاوز عمرها 30 عامًا، أنظمة إشارة موروثة، ومعابر مستوى لم يتم إلغاؤها… قائمة المهام المعلقة طويلة ومكلفة.

المفارقة واضحة: إسبانيا تتباهى في المحافل الدولية بامتلاكها واحدة من أكبر شبكات القطارات فائقة السرعة في العالم، لكنها في الوقت نفسه تشهد سلسلة من الحوادث على الخطوط التقليدية التي تشكل العمود الفقري للتنقل اليومي. بالنسبة لسائقي القطارات، الرسالة لا لبس فيها: السلامة لا يمكن أن تعتمد على “الرمز البريدي” للخط.

JefeHispano

الإدارة، ثقافة السلامة، والمسؤوليات السياسية

يشير الإضراب أيضًا إلى مشكلة أقل وضوحًا: ثقافة السلامة الداخلية. يشتكي سائقو القطارات من أن الأنظمة الرسمية – لجان السلامة، صناديق الإبلاغ عن الحوادث، تقييمات المخاطر – لا تتحول دائمًا إلى قرارات سريعة وفعالة على أرض الواقع. تقارير تتأخر، توصيات تبقى حبرًا على ورق، وأولوية للأعمال بناءً على التأثير الإعلامي لا على المخاطر الفنية.

في هذا السياق، تتحول حوادث خروج قطاري أدموز وجيليدا عن المسار إلى قضايا اختبار. فما ستكشفه التحقيقات – سواء كانت هناك تحذيرات مسبقة، أو تأخر في التدخلات، أو تقليل من شأن إشارات الإنذار – سيؤثر على تحديد المسؤوليات. ليس فقط المسؤوليات الفنية، بل والسياسية أيضًا.

تركز النقابة جزءًا كبيرًا من اهتمامها على سلسلة القيادة المشتركة بين القطاعين العام والخاص: الوزارة، مديري البنية التحتية، والمشغلين. وتطالب بتحصين قرارات السلامة ضد الضغوط التجارية أو المتعلقة بالجداول الزمنية، وأن تكون للمعايير الفنية الكلمة الأخيرة والتوقيع النهائي.

مقالات ذات صلة