إضراب مخرج اختيار مريم: صرخة فنان أم ابتزاز عاطفي يهز الوسط السينمائي؟

ما يبدأ كحلم فني، قد ينتهي أحيانًا بصدام عنيف على أرض الواقع. قصة المخرج محمود يحيى وفيلمه «اختيار مريم» تحولت من حكاية سينمائية إلى دراما حقيقية تدور فصولها على أعتاب إحدى دور العرض، لتفتح أبوابًا واسعة لأسئلة شائكة حول الفن والتوزيع، وحدود الاحتجاج المشروع في صناعة السينما.
شرارة الأزمة.. إضراب عن الطعام أمام «زاوية»
بدأت القصة عندما أعلن المخرج الشاب محمود يحيى دخوله في إضراب عن الطعام واعتصام مفتوح أمام مقر سينما زاوية، وهي المنفذ الأبرز لعرض أفلام السينما المستقلة في مصر. جاء احتجاجه ردًا على رفض السينما إدراج فيلمه «اختيار مريم» ضمن جدول عروضها، وهو الفيلم الذي أشار مخرجه إلى حصوله على تقدير نقدي ونجاحات في عروض محدودة سابقة.
في مقطع فيديو نشره عبر صفحته الشخصية، ظهر يحيى معلنًا تصعيد موقفه، واصفًا ما يخوضه بـ«معركة غير عادلة» مع منظومة التوزيع السينمائي. ولم يقتصر الأمر على الإضراب، بل امتد إلى اتهامه لبعض أفراد الأمن في السينما بالاعتداء عليه، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه لا يدعو لمقاطعة المكان، بل يطالب بإنصاف فيلمه.
ويطرح الفيلم نفسه قضية جدلية، حيث تدور أحداثه في إطار كوميدي حول «مريم» التي تواجه أزمة مالية خانقة، وتجد نفسها أمام إغراء غريب: مساعدة رجل تقوم على تمريضه على إنهاء حياته عبر الموت الرحيم مقابل مليون جنيه، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد على قصة الفيلم ومخرجه.
بيان السينما وتحول دفة التعاطف
في مواجهة هذا التصعيد، أصدرت إدارة سينما زاوية بيانًا رسميًا أوضحت فيه ملابسات الموقف. أكد البيان أنهم تواصلوا مع شركة توزيع الفيلم واقترحوا أن تنظم الشركة عرضًا خاصًا على نفقتها، وهو ما قوبل بالرفض من المخرج. وأشار البيان إلى أن قرار عرض الفيلم في النهاية جاء «حرصًا على صحة المخرج وحياته»، مع التأكيد على أن تنظيم العرض التجاري هو مسؤولية الموزع وليس دار العرض.
هذا البيان، بالإضافة إلى موافقة السينما على العرض تحت الضغط، كان نقطة تحول كبرى في مسار الأزمة. فبعد أن كان التعاطف الأولي يميل نحو المخرج الذي يصارع من أجل فنه، بدأت الأصوات المعارضة من داخل الوسط الفني نفسه ترتفع، لتكشف عن وجه آخر للقصة.
شهادات من الداخل.. كواليس تنسف رواية المخرج
لم يأتِ الهجوم من بعيد، بل من أقرب المشاركين في العمل. المخرجة هالة خليل كانت من أوائل من أعلنوا تراجعهم، فكتبت بوضوح: «بعد أن اكتمل المشهد واتضحت الرؤية وجدت أن تعاطفي مع المخرج لم يكن في محله… هذا التعاطف الآن أصبح منتهي الصلاحية».
لكن الشهادة الأكثر تفصيلاً جاءت من الممثل شادي عبد الرحمن، أحد أبطال الفيلم، الذي كشف في منشور مطول كواليس صادمة، قلبت الطاولة تمامًا. أوضح شادي أن جزءًا من الفيلم تم تصويره بالفعل داخل سينما زاوية، وأن هناك شكرًا خاصًا لهم في تترات الفيلم. وأكد أنه تواصل بشكل ودي مع إدارة السينما التي أوضحت أن الإجراءات تتطلب تواصل شركة التوزيع معهم، وهو ما رفضه المخرج قائلاً: «أنا هاتثورج وأعتصم لهم قدام سينما زاوية».
لم تتوقف شهادة عبد الرحمن عند هذا الحد، بل اتهم المخرج صراحةً بأنه «عنده مشكلة كبيرة في تقبُّل الرفض… وبيتعامل بتعالٍ»، وأنه خلق مشاكل مع معظم الممثلين وطواقم العمل، مما رسم صورة مغايرة تمامًا لشخصية الفنان المظلوم.
انتحار فني.. هل خسر المخرج معركته الكبرى؟
الرؤية التحليلية الأعمق قدمها المخرج كريم العدل، الذي وجه رسالة مباشرة ليحيى، واصفًا ما فعله بأنه «انتحار فني كامل». تساءل العدل: «هل أنت متخيل إن فيه منتج أو موزع أو دار عرض أو ممثل… ممكن يخاطر ويشتغل معاك بعد اللي انت عملته ده؟».
اعتبر العدل أن المخرج اختار معركة صغيرة لكسبها بـ«لوي الذراع»، لكنه ضحى في مقابلها بمستقبله الفني بأكمله. وختم حديثه بعبارة قاسية لكنها تلخص وجهة نظر الكثيرين: «أنت كنت عدو نفسك الأول.. قبل ما يكون أي دار عرض أو موزع عدوك». لتتحول أزمة سينمائية فريدة من نوعها إلى درس قاسٍ في كواليس الصناعة حول الفن والأخلاق، وحول المعارك التي تستحق أن تُخاض، وتلك التي تدمر أصحابها.








