عرب وعالم

أوروبا على صفيح ساخن: إضرابات عمالية تشل الحياة وتضغط على الحكومات

تضرب القارة الأوروبية موجة عارمة من الإضرابات والاحتجاجات العمالية، شلّت قطاعات حيوية في فرنسا وبلجيكا واليونان. تأتي هذه التحركات في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة تضغط على مستويات المعيشة، وتنذر بشتاء ساخن سياسيًا واجتماعيًا، حيث تجد الحكومات نفسها في مواجهة مباشرة مع نقابات تطالب بحماية الحقوق المكتسبة.

فرنسا: شبح قانون التقاعد يخيم على المشهد

في فرنسا، يعود الجدل حول إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل، والذي أُقر في 2023، ليطفو على السطح من جديد وسط جمود سياسي يعقد تشكيل حكومة جديدة. يتزايد الضغط لتعليق تطبيق القانون، الذي يرفع سن التقاعد إلى 64 عامًا، كورقة مساومة سياسية لتهدئة الشارع وكسب دعم النقابات العمالية.

ورغم أن الكتلة الوسطية الحاكمة رفضت سابقًا أي تراجع، تشير تقارير محلية إلى مرونة أكبر في مواقفها الحالية، حيث قد يصبح تعليق القانون مدخلاً لتشكيل ائتلاف حكومي. وفي تصريحات لافتة، قالت رئيسة الوزراء السابقة إليزابيت بورن: “إذا كان تعليق الإصلاح ضروريًا لاستقرار البلاد، فيجب دراسة سبل تطبيقه”، وهو ما يعكس حجم الضغط السياسي القائم.

من المهم الإشارة إلى أن أي تعليق محتمل سيكون إجراءً مؤقتًا وليس إلغاءً، ولن يؤثر على من بدأ القانون يطبق عليهم بالفعل، وهم مواليد ما بعد 1 سبتمبر 1961. هذه الخطوة، إن تمت، ستكون بمثابة اعتراف ضمني بأن الإصلاحات الاقتصادية الصعبة لا يمكن تمريرها دون توافق مجتمعي واسع.

بلجيكا: “مسيرة الكرامة” تجمد العاصمة

شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل شللاً شبه تام بعد خروج عشرات الآلاف في “مسيرة الكرامة”، التي نظمتها النقابات العمالية الكبرى. جاءت المظاهرات الحاشدة رفضًا لإجراءات حكومية تمس الأمن الوظيفي، والمعاشات، وظروف العمل، وعلى رأسها خفض أجور العمل الليلي وتوسيع نطاق الوظائف المرنة التي تفتقر للاستقرار.

ولم تقتصر المشاركة على العمال التقليديين، بل انضم إليهم قطاع واسع من المعلمين والفنانين والعاملين في الحقل الثقافي، احتجاجًا على تعديلات تهدد حقوقهم في احتساب المعاشات. وتزامنت المسيرة مع مظاهرة موازية لمنظمات المجتمع المدني للمطالبة بسياسات غذائية مستدامة، مما يعكس تقاطع المطالب العمالية مع قضايا اجتماعية وبيئية أوسع.

توقيت الاحتجاج، الذي اقترب من اليوم الدولي للقضاء على الفقر، حمل دلالة رمزية، حيث اتهمت منظمات حقوقية الحكومة بانتهاج سياسات تعمق الفجوة الاجتماعية. وأدت التعبئة الواسعة إلى اضطرابات كبرى في حركة النقل العام والطيران من مطاري بروكسل وشارلروا.

اليونان: توقف النقل رفضًا لـ”مرونة” سوق العمل

في اليونان، توقفت حركة القطارات ورست السفن في موانئها استجابة لدعوات إضراب واسع، رفضًا لمشروع قانون حكومي يستهدف تعديل قوانين العمل في القطاع الخاص. يمثل هذا الإضراب، وهو الثاني من نوعه في أكتوبر، تصعيدًا كبيرًا من قبل أكبر نقابات القطاعين العام والخاص ضد ما تصفه بـ”هجوم على الحقوق العمالية”.

ويسمح مشروع القانون بتمديد ساعات العمل، وتوسيع صلاحيات التوظيف المؤقت، وتعديل نظام الإجازات السنوية. وبينما تبرر الحكومة هذه التعديلات بأنها تهدف لزيادة مرونة سوق العمل وحماية العاملين، ترى النقابات أنها تقوض بشكل مباشر مبدأ يوم العمل بثماني ساعات، وتفتح الباب أمام استغلال العمالة.

أوروبا بين مطرقة الشارع وسندان الاقتصاد

تعكس هذه التحركات المتزامنة في احتجاجات أوروبا حالة من الغليان الاجتماعي الذي تغذيه معدلات التضخم المرتفعة وتآكل القوة الشرائية للمواطنين. فالضغوط الناتجة عن الحرب في أوكرانيا والتحولات الاقتصادية العالمية تلقي بظلالها مباشرة على تكاليف المعيشة، مما يجعل أي إصلاحات تمس الأجور أو التقاعد أو ظروف العمل نقطة اشتعال فورية.

ومع اقتراب فصل الشتاء، الذي يحمل معه أعباء إضافية للطاقة، يتوقع المراقبون تصاعد وتيرة الإضرابات العمالية. ويبدو أن الحكومات الأوروبية أمام اختبار صعب للموازنة بين ضرورات الإصلاح الاقتصادي وتجنب انفجار اجتماعي قد يعصف بالاستقرار السياسي في القارة العجوز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *