عرب وعالم

ألمانيا وميزانية الدفاع: تحول تاريخي يعيد تشكيل الأمن الأوروبي

برلين تضخ مليارات اليوروهات لتجهيز "أقوى جيش في أوروبا".. ما دلالات هذا التحول العميق؟

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

ألمانيا وميزانية الدفاع: تحول تاريخي يعيد تشكيل الأمن الأوروبي

في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا، كشفت وثيقة لوزارة المالية الألمانية عن خطط برلين لتخصيص ميزانية ضخمة تقارب 19 مليار يورو لتحديث المعدات الشخصية لجنودها. يبدو أن أيام التجهيز المتقادم للجيش الألماني قد ولّت، لتحل محلها رؤية جديدة لقوة عسكرية أوروبية رائدة.

عقيدة جديدة

هذا الإنفاق ليس مجرد تحديث روتيني، بل هو جزء من فلسفة أمنية جديدة تتبناها ألمانيا بعد عقود من التحفظ العسكري. فالأمر لا يقتصر على الملابس والمعدات، بل يمتد ليشمل تخصيص 7.5 مليار يورو أخرى لشراء مركبات مدرعة جديدة، مما يؤكد أن التحول شامل ويمس صميم القدرات القتالية للجيش. إنه إقرار صريح بأن السلام في أوروبا لم يعد أمرًا مفروغًا منه.

طموح الأرقام

تبرر الحكومة الألمانية هذه الأرقام الضخمة بهدف طموح، وهو زيادة قوام الجيش من حوالي 280 ألف جندي حاليًا إلى 460 ألف جندي بحلول منتصف العقد القادم. يرى مراقبون أن هذا التوسع لا يهدف فقط إلى سد النقص، بل إلى بناء قوة قادرة على الردع والمواجهة، وهو ما يغير قواعد اللعبة في القارة الأوروبية التي اعتادت على دور ألماني محدود عسكريًا.

لماذا الآن؟

جاء هذا التحول، الذي أطلق عليه المستشار الألماني أولاف شولتز مصطلح “تحول الأزمنة” (Zeitenwende)، كرد فعل مباشر على الحرب في أوكرانيا. فبعد أيام فقط من بدء الغزو الروسي، أدركت برلين أن المنظومة الأمنية التي قامت عليها أوروبا بعد الحرب الباردة قد انهارت. تصريح مفتش الجيش الألماني، ألفونس مايس، بأن جيشه كان “عاريًا نسبيًا” عشية الحرب، لخص حجم الأزمة التي دفعت برلين لهذا المسار الجديد.

سياق أوروبي

لا تتحرك ألمانيا بمعزل عن محيطها. فهذه الجهود تتزامن مع سعي دول أوروبية أخرى، مثل بريطانيا التي أعلن رئيس وزرائها كير ستارمر عن خطط لتعزيز أسطولها النووي، لرفع قدراتها الدفاعية. يبدو أن هناك سباقًا أوروبيًا محمومًا لتعزيز القدرات العسكرية، في ظل يقين متزايد بأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية قد لا يكون كافيًا في المستقبل.

أقوى جيش

الهدف النهائي الذي عبر عنه القادة الألمان بوضوح هو بناء “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”. هذا الطموح، الذي كان من المحرمات سياسيًا لعقود، أصبح اليوم سياسة دولة معلنة. بحسب المفتش العام للجيش، كارستن بروير، فإن كافة الخطط تهدف إلى أن يكون الجيش الألماني مستعدًا لمواجهة أي تهديد بحلول عام 2029، وهو سقف زمني يعكس حجم الإلحاح الذي تشعر به برلين.

دلالات المشهد

في المحصلة، تمثل هذه الميزانية أكثر من مجرد أرقام؛ إنها إعلان عن نهاية حقبة وبداية أخرى. ألمانيا تتخلى عن تحفظها التاريخي وتتقدم لتلعب دورًا قياديًا في أمن أوروبا، ليس فقط اقتصاديًا وسياسيًا، بل وعسكريًا أيضًا. هذا التحول، بكل ما يحمله من فرص وتحديات، سيعيد بلا شك رسم خريطة القوة والنفوذ في القارة الأوروبية للسنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *