أطفالنا والفيروسات.. دراسة حديثة تفك شفرة العدوى المتكررة
لماذا يُعتبر الأطفال المصدر الأول لنشر فيروسات الجهاز التنفسي؟ دراسة جديدة تحلل الأسباب البيولوجية والاجتماعية.

في تأكيد علمي لما هو شائع في الأوساط الأسرية والطبية، كشفت دراسة حديثة أن الأطفال الصغار ليسوا فقط الأكثر عرضة للإصابة بفيروسات الجهاز التنفسي، بل يلعبون دورًا محوريًا في نشرها على نطاق واسع. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل تزايد القلق العالمي من موجات العدوى الموسمية وتأثيرها على استقرار المجتمعات وأنظمتها الصحية.
جهاز مناعي في طور التكوين
تُرجع الدراسة، التي نُشرت في إحدى الدوريات الطبية المرموقة، هذه الظاهرة إلى أسباب بيولوجية وسلوكية متداخلة. فعلى الصعيد البيولوجي، لا يزال الجهاز المناعي لدى الأطفال في مرحلة النضج، ما يجعله أقل كفاءة في التعرف على مسببات الأمراض ومقاومتها مقارنة بالبالغين الذين كوّنوا ما يُعرف بـ“المناعة المكتسبة” عبر سنوات من التعرض للفيروسات المختلفة. هذا النقص في الذاكرة المناعية يسمح للفيروسات بالتكاثر بسهولة أكبر داخل أجسامهم.
ويرى مراقبون أن هذه الحقيقة البيولوجية تفسر لماذا تكون أعراض نزلات البرد والإنفلونزا أشد وأطول أمدًا لدى الصغار. ويضيف الدكتور حسام عبد الغفار، أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة، في تصريح خاص لـ”نيل نيوز”: “الطفل ليس مجرد نسخة مصغرة من البالغ؛ فجهازه المناعي يتعلم ويتطور مع كل عدوى. هذه الدراسة تضع إطارًا علميًا لفهم سبب كون الحضانات والمدارس بيئات مثالية لانتشار فيروسات الجهاز التنفسي“.
سلوكيات اجتماعية تسرّع الانتشار
على المستوى السلوكي، تساهم طبيعة تفاعل الأطفال في تسريع وتيرة العدوى. فالاحتكاك الجسدي المباشر في أماكن اللعب والمؤسسات التعليمية، إلى جانب ضعف الالتزام بعادات النظافة الشخصية مثل غسل الأيدي بانتظام، يخلق بيئة خصبة لانتقال الفيروسات. وتشير التقديرات إلى أن الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة قد يصاب بالعدوى التنفسية بمعدل يتراوح بين 8 إلى 12 مرة سنويًا، وهو رقم يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الأسر وقطاعات الصحة العامة.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
لا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية مؤثرة. فإصابة طفل بالمرض تعني غالبًا غياب أحد الوالدين عن العمل لرعايته، مما يؤثر على إنتاجية المؤسسات ويزيد من الأعباء المالية على الأسر. كما يضع الضغط المتكرر على الأنظمة الصحية، خاصة في مواسم الذروة، تحديات لوجستية ومالية أمام الحكومات.
وفي هذا السياق، يشدد خبراء الاقتصاد الصحي على أن الاستثمار في برامج الوقاية والتطعيمات الموجهة للأطفال لا يعد حماية لصحتهم فقط، بل هو استثمار مباشر في استقرار القوى العاملة وتقليل الهدر في الموارد الصحية. فكل جنيه يُنفق على الوقاية يوفر أضعافه في تكاليف العلاج والخسائر الإنتاجية.
ختامًا، تضع هذه الدراسة الكرة في ملعب صانعي السياسات الصحية والأسر على حد سواء. فبينما يُطلب من الجهات الرسمية تعزيز برامج التطعيم ورفع الوعي الصحي في المدارس، يقع على عاتق الأسر دور أساسي في غرس العادات الصحية السليمة لدى أطفالهم، في خطوة لا تحميهم وحدهم، بل تحمي المجتمع بأسره من تبعات العدوى واسعة النطاق.








