أسعار النفط بين مطرقة العقوبات الروسية وسندان المفاوضات الصينية
تحليل: كيف توازن أسواق الطاقة بين ضغوط الإمدادات الروسية وآمال تعافي الطلب العالمي بعد تقدم المفاوضات بين واشنطن وبكين؟

بعد تسجيل أكبر قفزة أسبوعية منذ يونيو، دخلت أسعار النفط في حالة من الاستقرار الحذر، حيث تتأرجح بين مكاسب طفيفة وخسائر محدودة. يترقب المتعاملون في السوق عن كثب نتائج المفاوضات التجارية بين واشنطن وبكين، بينما يقيّمون في الوقت ذاته تداعيات العقوبات الأمريكية الجديدة على قطاع الطاقة الروسي.
مفاوضات تجارية تدعم الطلب
شهدت الأسواق العالمية حالة من التفاؤل بعد إعلان كبار المفاوضين الصينيين والأمريكيين التوصل إلى تفاهمات حول نقاط خلافية رئيسية. هذا التقدم يفتح الباب أمام اتفاق محتمل بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ، وهو ما قد يخفف من حدة التوترات التجارية التي أثرت سلباً على أكبر اقتصادين ومستوردي نفط في العالم، وبالتالي يعزز من توقعات نمو الطلب.
وفي تفاصيل حركة الأسعار، ارتفع خام “برنت” القياسي تسليم ديسمبر بنسبة 0.5% ليقترب من 65.62 دولاراً للبرميل. في المقابل، واصل خام “غرب تكساس الوسيط” الأمريكي تراجعه لليوم الثاني، منخفضاً بنسبة 0.3% لكنه ظل متماسكاً فوق مستوى 61 دولاراً للبرميل، مما يعكس حالة الترقب التي تسيطر على السوق.
عقوبات روسيا تعيد رسم خريطة الإمدادات
رغم الأجواء الإيجابية للمفاوضات، ظلت أسعار النفط شبه مستقرة، متأثرة بالقفزة التي حققتها الأسبوع الماضي بنحو 7%. جاء هذا الارتفاع كرد فعل مباشر على فرض الولايات المتحدة عقوبات على عملاقي النفط الروسيين “روسنفت” و“لوك أويل”، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغط على موسكو على خلفية الحرب في أوكرانيا، مما أضاف طبقة جديدة من المخاطر على جانب الإنتاج.
هذه العقوبات، التي تهدف لجعل تجارة النفط الروسي أكثر تكلفة وصعوبة، دفعت شركة “لوك أويل” للإعلان عن نيتها بيع أصول دولية. ويرى محللون أن الإدارة الأمريكية تسعى لتضييق الخناق على موسكو دون التسبب في صدمة إمدادات مفاجئة قد تؤدي إلى انفجار الأسعار العالمية، وهو توازن دقيق يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي الحالي.
رهانات السوق والزخم الصعودي
يرى دينيس كيسلر، من بنك “بي أو كيه فاينانشال”، أن السوق “تلتقط أنفاسها”، فبينما المفاوضات التجارية مستمرة، لم تظهر نتائج ملموسة بعد. وأضاف أن العقوبات على روسيا قد تعطل بعض الشحنات، لكن من المرجح أن يجد معظم هذا النفط طريقه إلى أسواق أخرى. هذا التحليل يفسر لماذا لم تستمر موجة الصعود القوية.
ويُعزى جزء من الارتفاع الأخير إلى عوامل فنية في السوق، حيث كان المتعاملون قد راكموا رهانات قياسية على انخفاض الأسعار (مراكز بيع). ومع فرض العقوبات، اضطر هؤلاء لتغطية مراكزهم، مما سرّع من وتيرة الصعود. ويتوقع دانيال غالي، استراتيجي السلع في “تي دي للأوراق المالية”، أن تساهم صناديق التداول الكمية في تعزيز هذا الزخم الصعودي على المدى القصير.
وفرة المعروض تلوح في الأفق
في المقابل، يواصل تحالف “أوبك+” ضخ المزيد من البراميل في السوق، مع تلميحات من أعضاء مثل الكويت بإمكانية زيادة الإنتاج مجدداً. وتدرس المجموعة إقرار زيادة شهرية ثالثة بمقدار 137 ألف برميل يومياً في ديسمبر، وهو ما يشير إلى أن السوق استوعبت بالفعل هذا السيناريو، مما يحد من أي مفاجآت قد تدفع الأسعار للارتفاع.
وتدعم هذه الرؤية توقعات وكالة الطاقة الدولية، التي ترى أن أسعار البرميل مرشحة للاعتدال في الأسابيع المقبلة بسبب وفرة المعروض. وأكد فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة، أن السوق ستشهد فائضاً في المعروض هذا العام، حيث يتفوق الإنتاج في الأمريكتين على نمو الطلب العالمي.
وتلخص نور العلي من “بلومبرغ” المشهد بأن هناك دلائل على تراكم المخزونات، مما يضغط على الأسعار كلما اقتربت من 65 دولاراً. وفي المقابل، خلقت العقوبات على النفط الروسي دافعاً للشراء عند الانخفاضات قرب 60 دولاراً، مما أدى إلى استقرار سوق الطاقة ضمن هذا النطاق السعري المحدد.









