أسبوع القاهرة للمياه.. مصر ترسم خريطة الأمن المائي الذكية

تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، انطلقت في القاهرة فعاليات أسبوع القاهرة الثامن للمياه، كاشفًا عن ملامح استراتيجية مصرية طموحة تتجاوز إدارة الموارد المائية التقليدية. ففي قلب التحديات العالمية، تقدم مصر رؤية متكاملة لمواجهة تغير المناخ وتحقيق الأمن المائي، معتمدة على إرث تاريخي عريق وتكنولوجيا المستقبل.
ويجمع الحدث، الذي يُعقد هذا العام تحت شعار «حلول مبتكرة للتكيف مع تغير المناخ واستدامة المياه»، نخبة من الوزراء وكبار المسؤولين والعلماء من مختلف أنحاء العالم، ليتحول إلى منصة دولية لتبادل الخبرات وصياغة سياسات مائية قادرة على الصمود في وجه التحديات المتصاعدة.
مدرسة الري المصرية.. من الشادوف إلى الذكاء الاصطناعي
في كلمته الافتتاحية، استدعى الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، تاريخًا طويلًا من الخبرة شكّل ما أسماه «مدرسة الري المصرية العريقة». هذه المدرسة التي ربطت بين النهر والإنسان والحضارة منذ آلاف السنين، وابتكرت أدوات مثل الشادوف ومقياس النيل، تتحول اليوم لتواكب تحديات العصر.
وأوضح سويلم أن الزيادة السكانية وضغوط تغير المناخ حتّمت الانتقال إلى «جيل ثانٍ» من الإدارة المائية. لم يعد الأمر يقتصر على الخبرة التاريخية، بل أصبح يعتمد على دمج التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد، في خطوة تنقل مصر من الإرث إلى الريادة، ومن الإدارة التقليدية إلى الإدارة الذكية لكل قطرة ماء.
خارطة طريق للمستقبل.. محاور عشرة للأمن المائي
كشف الوزير عن منظومة متكاملة تقوم على عشرة محاور رئيسية، تمثل رؤية الدولة المصرية لمستقبل المياه حتى عام 2030. هذه المحاور لا تعالج ندرة المياه فحسب، بل تهدف إلى تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة.
معالجة وتحلية.. سلاح مصر الأخضر
يتركز التوجه المصري بشكل أساسي على زيادة الموارد المائية الموجهة لتحقيق الأمن المائي والغذائي. ويتم ذلك عبر مشروعات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الزراعي، مثل محطات بحر البقر والمحسمة والدلتا الجديدة، والتي تهدف إلى توفير المياه اللازمة لاستصلاح أراضٍ جديدة في سيناء والدلتا الجديدة.
إلى جانب ذلك، تتبنى مصر تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي، مع التركيز على استخدام الطاقة المتجددة لخفض التكلفة، وتطوير التقنيات المحلية، وتشجيع زراعة المحاصيل المتحملة للملوحة، بما يضمن استدامة الإنتاج الزراعي في المناطق الساحلية.
التحول الرقمي.. عيون الدولة على كل قطرة ماء
تعتمد الإدارة الحديثة للمياه في مصر على بنية تحتية رقمية متطورة. يشمل ذلك نماذج للتنبؤ بالأمطار، واستخدام صور الأقمار الصناعية لتحديد المساحات المزروعة واحتياجاتها المائية بدقة، مما يسمح بتوزيع عادل وفعال للمياه.
ولأول مرة في مصر، يتم استخدام طائرات «الدرون» لمراقبة حالة الترع وتقييم سلامة المنشآت المائية ورصد المخالفات بشكل فوري. كما تستخدم الوزارة منصات عالمية مثل Digital Earth Africa وGoogle Earth Engine لمتابعة حماية الشواطئ ورصد انتشار ورد النيل، مما يعزز قدرة الدولة على الاستجابة السريعة.
وتم تطوير 27 تطبيقًا رقميًا لخدمة المزارعين والإدارة على حد سواء، بهدف إتاحة المعلومات حول مواعيد الري، وتسهيل الحصول على التراخيص، ومراقبة تنفيذ المشروعات بشفافية، وهو ما يساهم في رفع الكفاءة ودرء الفساد.
مواجهة تغير المناخ.. درع وقاية للسواحل والوديان
تتضمن الاستراتيجية حزمة متكاملة من المشروعات للتكيف مع التغيرات المناخية. فعلى السواحل، يتم تنفيذ مشروعات حماية متطورة في الإسكندرية ودمياط ومطروح باستخدام مواد صديقة للبيئة. وداخليًا، تُنشأ سدود وبحيرات للحماية من أخطار السيول، مع الاستفادة من مياهها في تغذية الخزان الجوفي ودعم المجتمعات المحلية.
استثمار في الإنسان.. حوكمة رشيدة وعائد اقتصادي
لم تغفل الرؤية المصرية أهمية العنصر البشري، حيث أُطلق برنامج «قيادات الجيل الثاني» لإعداد كوادر شابة قادرة على قيادة منظومة الري الحديثة. وفي خطوة لافتة، تسعى الوزارة لتعظيم مواردها عبر الشراكة مع القطاع الخاص، مع رفع دخل العاملين بنسبة وصلت إلى 200%، ومستهدف زيادتها 100% إضافية بحلول 2026، للاحتفاظ بالكفاءات المتميزة.
من النيل إلى غزة.. دور مصري مسؤول
في لفتة عكست الدور الإقليمي لمصر، أشار الوزير إلى النجاح الدبلوماسي الذي قاده الرئيس السيسي للتوصل إلى اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة. وأكد سويلم التزام مصر بدعم الأشقاء في فلسطين، معربًا عن استعداد الوزارة لنقل خبراتها الفنية للمساهمة في إعادة إعمار قطاع المياه والخدمات الأساسية هناك، وهو ما يربط بين الأمن المائي الداخلي والاستقرار الإقليمي.









