عرب وعالم

واشنطن تمد يدها لأوروبا.. بشروط ترامب الصارمة: هل انتهى زمن التحالف القديم؟

في مؤتمر ميونيخ للأمن: ماركو روبيو يطرح رؤية أمريكية جديدة للعلاقة العابرة للأطلسي ويحذر من 'أخطاء' القارة العجوز.

في رسالة حملت في طياتها دعوة للتجديد وتهديدًا مبطنًا، أعلنت الولايات المتحدة، على لسان وزير خارجيتها ماركو روبيو، تمسكها بالتحالف مع أوروبا، لكن هذه المرة بشروط الرئيس السابق دونالد ترامب، ورؤية تبتعد عن القيم التقليدية التي حكمت العلاقة العابرة للأطلسي لعقود. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن، دعا روبيو الأوروبيين إلى ‘تنشيط صداقة قديمة’، محاولًا طمأنة المخاوف من انهيار التحالف. لكنه، وفي ذات الوقت، لم يتوانَ عن توجيه سهام النقد للنموذج الأوروبي وسياساته الاجتماعية والبيئية والهجرة، مؤكدًا أن النبرة وإن كانت أكثر تهذيبًا من سلفه ج. د. فانس، إلا أن الجوهر ظل واحدًا.

كلمات روبيو، التي جاءت كبلسم على جراح العلاقات المتوترة، استقبلها الحضور في ميونيخ بارتياح واضح. فبعد سنوات من إهانات ترامب وتهديداته، التي بلغت ذروتها في يناير الماضي بالتهديد بضم غرينلاند بالقوة، وهو ما كان ليعني نهاية حلف الناتو، بدا أن هناك بصيص أمل.

وبدت تصريحات روبيو وكأنها محاولة للمصالحة، دعوة لإعادة لم الشمل بعد أن كادت العلاقة أن تنهار. خطاب خالٍ من الإهانات المجانية، على عكس ما اعتاد عليه الأوروبيون من الإدارة السابقة. ‘لا نسعى للانفصال، بل لتنشيط صداقة قديمة وتجديد أعظم حضارة في تاريخ البشرية’، هكذا صرح روبيو، مضيفًا: ‘نريد لأوروبا أن تكون قوية، ونؤمن بضرورة بقائها’.

لكن خلف هذه النبرة الهادئة، تتجلى حقيقة باتت واضحة للجميع: التحالف قد لا يكون قد مات، كما قال مارك توين عن نعيه، لكنه لن يعود كما كان. فالولايات المتحدة، التي بدأت تحول اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ والصين قبل وصول ترامب، تطالب أوروبا اليوم بتحمل مسؤوليات أكبر في دفاعها الذاتي. حماية واشنطن لا تزال ضرورية، لكنها لم تعد موثوقة بالكامل.

وفي هذا السياق، احتفل الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في ميونيخ بـ’تغير في الأيام الأخيرة يرسخ الولايات المتحدة في الناتو’، مؤكدًا: ‘أرى وحدة تامة في الرؤية’. وهو ما أيده رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بقوله: ‘من الواضح أنه لا ينبغي أن نكون راضين… سيكون خطأ، لأنني أعتقد أن أوروبا لم تفعل ما يكفي لدفاعها وأمنها’.

**النظام القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة**

لكن الثابت أن النظام القديم قد لفظ أنفاسه الأخيرة، كما يتفق الأوروبيون والأمريكيون. ففي عصر ‘الهدم’، المصطلح الذي طغى على نقاشات ميونيخ، وفي عالم ‘المفترسين’، كما يصفه خبراء آخرون، ستتصرف الولايات المتحدة، وقد بدأت بالفعل، بشكل منفرد.

وخلاصة القول من روبيو كانت واضحة: إذا أراد الأوروبيون المساعدة، فخير وبركة. وإن لم يفعلوا، فالولايات المتحدة ستشق طريقها وحدها. وبعد الإشارة إلى التدخل الأمريكي في فنزويلا مطلع يناير ورفض الانتقادات بانتهاك القانون الدولي، أكد وزير الخارجية: ‘هذا هو المسار الذي سلكه الرئيس ترامب والولايات المتحدة. وهو المسار الذي نطلب من الأوروبيين الانضمام إليه’. وكما رأينا في حادثة غرينلاند، فإن الخط الفاصل بين التحالف المقبول والتبعية القسرية قد يكون رفيعًا جدًا.

هنا يبرز هوة عميقة بين رؤية روبيو، والقطاعات الأكثر تأييدًا للتحالف الأطلسي في إدارة ترامب، للعلاقة مع الحلفاء التقليديين، وبين ما يراه الأوروبيون. فالأولون يعتقدون أن أوروبا – حيث توجد عشرات القواعد الأمريكية وأكثر من 80 ألف جندي – يمكن الاستغناء عنها، وأن مخاوف الأوروبيين لا تعنيهم كثيرًا. والدليل أن وزير الخارجية لم يذكر أوكرانيا إلا عابرًا.

أما الأوروبيون، فإدراكًا منهم للواقع، يعلمون أنهم يعتمدون كثيرًا على الولايات المتحدة (للدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا) لقطع العلاقات. لكنهم يصرون أيضًا على أن واشنطن لا تستطيع الاستغناء عن القارة العجوز، رغم ما يُقال في الضفة الأخرى من الأطلسي. وقد عبر عن ذلك المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في خطابه الجمعة: ‘في عصر التنافس بين القوى العظمى، حتى الولايات المتحدة ليست قوية بما يكفي للعمل بمفردها’.

**حرب القيم: رؤية أمريكية ‘بيضاء’ للتحالف**

وهناك هوة أخرى تتمثل فيما وصفه ميرتس بـ’الحرب الثقافية’ لحركة ‘اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى’ (MAGA) وهجماتها على أوروبا بسبب ما تزعم أنه تقييد لحرية التعبير، ودفاعها عن التعريفات الجمركية والحمائية، وتخليها عن مكافحة تغير المناخ.

روبيو تجنب الانخراط في هذه المعركة الأيديولوجية بنفس مفردات فانس أو المحرضين الأكثر صخبًا، فهذا ليس أسلوبه. لكنه استعاد نفس الحجج، ليلقن الشركاء دروسًا حول آفات الهجرة، و’التكفير عن خطايا الأجيال الماضية المزعومة’ أو بسبب نموذجهم الاجتماعي. ورسم سردًا للتاريخ المشترك يمزج بين الكيتش والحنين، مكونًا من الفاتحين، رعاة البقر، المزارعين والشعراء، الكاتدرائيات، وحتى فرقة الرولينج ستونز.

الأمر ليس أن روبيو، ابن المهاجرين، أو غيره من أعضاء ‘الترامبية’ الأكثر تطرفًا، لا يحبون أوروبا. بل إنهم، مثل حلفائهم في اليمين المتطرف بالقارة، لا يحبون ‘هذه أوروبا’.

وفي هذا الصدد، ترى كاثرين كلوفر آشبروك، من مؤسسة بيرتلسمان، أن روبيو ألقى ‘خطابًا تاريخيًا تحريفيًا’، وضعه في إطار ‘رؤية بيضاء، قومية ومسيحية للحضارة الغربية’. وتشير المحللة السياسية إلى أن هذا ‘يقوض إنجازات الديمقراطية الأمريكية، ويضعف أفكار التعددية الأوروبية’. وتعتقد كلوفر آشبروك، مؤلفة كتاب ‘النداء الأمريكي’، أن الهدف النهائي لإدارة الولايات المتحدة هو التخلي عن أوروبا، والاقتصار على الحماية النووية، وترك بقية الأمن العابر للأطلسي على عاتق الشركاء، و’تسريع هذه العملية’.

روبيو حظي بتصفيق حار في فندق بايريشير هوف، مقر الاجتماعات. ‘لقد طمأنني خطاب وزير الخارجية كثيرًا. نحن نعرفه. إنه صديق جيد’، هكذا علقت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين. ‘مطمئن’، وافق فولفغانغ إيشينغر، رئيس المؤتمر.

لكن الشعور السائد، بالنسبة لبعض القادة الأوروبيين، كان أنه كان من الممكن أن يكون الوضع أسوأ بكثير، كما حدث قبل عام مع فانس أو في كل صدام جديد مع ترامب. بيد أن وزير الخارجية يمثل اليوم أفضل نسخة من واشنطن يمكن لشركائها أن يطمحوا إليها. كلماته أشارت إلى أن العلاقة العابرة للأطلسي لا تزال على قيد الحياة، لكنها لن تعود كما كانت أبدًا. فالأسس التي دعمتها لثمانية عقود – فكرة معينة عن النظام الليبرالي والديمقراطي والقواعد الدولية – قد تلاشت إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة