جوع الذكاء الاصطناعي للطاقة: هل تنقذ المفاعلات النووية شبكات أوروبا وأمريكا من الانهيار؟
عمالقة التكنولوجيا والطاقة يراهنون على النووي لمواجهة أزمة كهرباء وشيكة
شبح “جوع” الذكاء الاصطناعي للطاقة يهدد شبكات الكهرباء في أوروبا والولايات المتحدة؛ إذ تتجاوز طلباته المتزايدة قدرة الشبكات الحالية. في إسبانيا وحدها، يتوقع قفزة صادمة تتجاوز 300% في الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات خلال السنوات القادمة. هذا الارتفاع الجنوني يأتي بعد سنوات من استقرار نسبي في معظم الاقتصادات المتقدمة. رداً على ذلك، تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى نحو الطاقة النووية، بحثاً عن إمدادات موثوقة وخالية من الكربون لتغذية مراكز بياناتها العملاقة. لكن الخيار النووي ليس سهلاً: مخاوف شعبية متجذرة بشأن السلامة والنفايات، انقسامات سياسية حادة، ومقاومة مجتمعية متوقعة لأي مشاريع جديدة. تحديات تتفاقم بفعل عقبات تنظيمية ضخمة، تكاليف مالية باهظة، جداول زمنية طويلة الأمد، وتأخيرات مستمرة في البناء.
يمكن تجديد بعض المحطات النووية المغلقة، مثل “ثري مايل آيلاند” الأمريكية أو مواقع أوروبية محتملة، لتخدم مراكز البيانات حصراً. لكن عددها محدود للغاية. المفارقة هنا حادة: طلب يتصاعد بسرعة جنونية، مقابل إعادة تشغيل محطات مغلقة يستغرق وقتاً طويلاً، حتى لو كان إغلاق بعضها حديثاً. حجم الاستهلاك الكهربائي المتوقع للذكاء الاصطناعي يتجاوز بكثير ما يمكن أن توفره الطاقة النووية لهذا القطاع في المدى القريب. حتى على المدى الطويل، لو أعيد تشغيل المفاعلات القائمة أو بنيت أخرى جديدة، فإن تكاليف دورة حياتها ستكون ضعف تكاليف البدائل المتجددة تقريباً؛ كـ”الطاقة الشمسية” مع التخزين.
الذكاء الاصطناعي يهدد بتفجير الطلب على الكهرباء
تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها يتم أساساً في مراكز بيانات ضخمة. هذه المنشآت العملاقة تضم خوادم وأنظمة تخزين وأجهزة شبكات، وكلها تتطلب إمداداً كهربائياً متواصلاً. استهلاك الطاقة يتباين بشدة بين المراكز، رهناً بكفاءة المعدات وتصميمها.
نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) تلتهم كميات هائلة من الطاقة. دورة حياة أي نموذج تقسم استهلاك الطاقة بين التدريب والتشغيل (الاستدلال). التدريب وحده يمكن أن يستهلك كميات ضخمة من الكهرباء، غالباً آلاف الكيلوواط/ساعة، تبعاً لتصميم النموذج وحجمه واستراتيجية تدريبه. كمثال صارخ: تدريب نموذج GPT-4 وحده استهلك طاقة تزيد 36% على الأقل عن استهلاك GPT-3 الأقدم والأصغر. أما التشغيل، فيسيطر عادة على معظم الاستهلاك، نظراً لاستخدامه المتكرر. نموذج واحد يمكن أن يستجيب لملايين أو مليارات الاستفسارات، والتكلفة الضئيلة الظاهرية لكل استفسار (بحدود الواط/ساعة) تتراكم لتصبح رقماً مهولاً.
متظاهرون أمام وزارة العمل بمدريد يطالبون باستمرار محطة ألماراز النووية. (أوروبا برس)
مراكز البيانات لا تزال لاعباً جديداً نسبياً على الساحة العالمية للطاقة. بين عامي 2015 و2019، استقر استهلاكها الكهربائي بفضل تحسينات الكفاءة. لكن بعدها، وحتى عام 2024، تسارع الطلب بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 20%. العام الماضي، بلغ استهلاكها الكهربائي قرابة 500 تيراواط/ساعة؛ أي نحو 1.7% من الاستهلاك العالمي. في الاتحاد الأوروبي، تستحوذ مراكز البيانات على حوالي 3% من إجمالي الحمل الكهربائي، وتتصدر فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة أكبر ثلاثة أسواق أوروبية. النمو داخل هذه الدول غير متساوٍ؛ ففي ألمانيا، يتوقع أن يتركز ارتفاع الطلب الكهربائي حول فرانكفورت، حيث تتجمع معظم الاستثمارات الجديدة.
التوقعات تشير إلى أن مراكز البيانات ستمثل أكثر من 2.6% من استهلاك الكهرباء العالمي بحلول 2030. ورغم الشكوك الكبيرة التي تحيط بهذه التقديرات، فمن المرجح أن يتضاعف طلبها على الكهرباء، كحد أدنى، بين عامي 2024 و2030 في بعض أكبر الأسواق الوطنية وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي ككل. بعض الدول الصغيرة شهدت بالفعل اختراقاً أكبر بكثير للسوق؛ ففي أيرلندا، شكلت مراكز البيانات 22% من مبيعات الكهرباء عام 2024.
في أكبر الأسواق الوطنية وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، من المرجح أن يتضاعف طلب مراكز البيانات على الكهرباء بين 2024 و2030.
رغم الدور المتزايد لعوامل جديدة كالذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، إلا أن حوالي 80% من الاستهلاك سيظل مرتبطاً بالوظائف التقليدية لمراكز البيانات؛ مثل الحوسبة السحابية، وخدمات تكنولوجيا المعلومات للشركات، وبث الفيديو، والتخزين.
يتوقع أن يبلغ الحمل السنوي الإضافي للذكاء الاصطناعي نحو 325 تيراواط/ساعة بحلول 2030؛ وهو ما يعادل إجمالي الطلب السنوي على الكهرباء في تركيا بأكملها. هذا الحمل، وإن كان يوازي طلباً مستمراً قدره 37.1 غيغاواط، إلا أن تلبيته تتطلب 41.2 غيغاواط من القدرة الجديدة إذا اعتمدت على الطاقة النووية، وأكثر من 100 غيغاواط إذا غُطيت بشكل أساسي بمصادر متجددة متغيرة. يعتمد ذلك على معدلات الاستخدام، مزيج التقنيات، وحلول التخزين. للمقارنة: القدرة المركبة في تركيا تتجاوز 120 غيغاواط، جزء كبير منها من المتجددات. هنا، تبرز الطاقة النووية كخيار قوي لتوفير الطاقة الآمنة، غير المنقطعة، ومنخفضة الانبعاثات التي تحتاجها شركات الذكاء الاصطناعي.
رهان أوروبي على الذكاء الاصطناعي
شركات التكنولوجيا والطاقة الأوروبية تراهن بقوة على بنية مراكز البيانات التحتية، سعياً لاستغلال الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، والخدمات الرقمية. في إسبانيا، تخطط “إيبردرولا” و”إيشيلون” الأيرلندية لبناء مراكز بيانات واسعة النطاق، مع توفير الأراضي وربط الشبكات والطاقة المتجددة لتغذية منشأة بقدرة 144 ميغاواط. كما أفادت تقارير بأن “ريبسول” تعتزم استثمار 4 مليارات يورو في مراكز بيانات.
استثمارات ضخمة تتدفق أيضاً من الولايات المتحدة. “أمازون ويب سيرفيسز” خصصت 15.7 مليار يورو لمراكز بيانات في أراغون على مدى العقد القادم. “مايكروسوفت” تعتزم ضخ 2.2 مليار يورو إضافية في شمال شرق إسبانيا. في غضون ذلك، تشمل الأنشطة الأوروبية عمليات استحواذ وتوسعات؛ محفظة مشاريع مراكز البيانات الإسبانية توسعت 20% في ستة أشهر، وتجاوزت مليار يورو كحجم معاملات.

مركز بيانات “ديجيتال رييلتي” في مدريد. خطط لافتتاح المزيد من المراكز بأنحاء أوروبا، ما سيؤدي لارتفاع استهلاك الكهرباء.
هذه الاستثمارات تعكس تحولاً استراتيجياً لشركات التكنولوجيا والطاقة نحو السيطرة على بنية البيانات التحتية. لم تعد مجرد عملاء، بل باتت مطورين ومشغلين؛ خاصة في الأسواق الأوروبية ذات الشبكات المتطورة والقدرة الطاقوية الكبيرة.
الشركات التكنولوجية مدفوعة أيضاً بضرورة تأمين طاقة أساسية نظيفة وموثوقة لضمان عمل الذكاء الاصطناعي، وتثبيت إمدادات الطاقة الخالية من الكربون، والحفاظ على محطات كانت ستواجه خطر الإغلاق. عمالقة التكنولوجيا يظهرون استعداداً متزايداً لتحمل مخاطر مالية وتنظيمية طويلة الأمد لدعم البنية التحتية النووية.
الطاقة النووية في السياق العالمي
توجد أربعة أجيال من تصاميم المفاعلات النووية. الجيل الأول بدأ العمل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ومعظم محطاته خرجت من الخدمة. الجيل الحالي هو الثاني (غالباً مفاعلات الماء المضغوط PWR ومفاعلات الماء المغلي BWR)، ويولد 90% من الكهرباء النووية التجارية. الجيل الثالث يشمل تصاميم ذات أمان وكفاءة أعلى (مثل المفاعل الأوروبي المضغوط EPR في فرنسا أو تصميم AP1000). أما مفاعلات الجيل الرابع، فلا تزال في مرحلة البحث والتطوير عالمياً، ويتوقع طرحها تجارياً في ثلاثينيات القرن الحالي.
في يوليو 2025، بلغت القدرة النووية المركبة عالمياً 376 غيغاواط، بمتوسط حجم مفاعل 900 ميغاواط. حصة الطاقة النووية من توليد الكهرباء العالمي كانت حوالي 9% (2602 تيراواط/ساعة) عام 2024. 32 دولة فقط تشغل محطات نووية.
عام 2024، امتلكت الولايات المتحدة أكبر عدد من المفاعلات (94 مفاعلاً عاملاً) وأكبر حجم توليد (782 تيراواط/ساعة)؛ لكن متوسط عمر مفاعلاتها كان حوالي 40 عاماً.
عام 2024، امتلكت الولايات المتحدة أكبر عدد من المفاعلات (94 مفاعلاً عاملاً) وأكبر حجم توليد (782 تيراواط/ساعة). لكن متوسط عمر المفاعل الأمريكي يبلغ 40 عاماً تقريباً، ولم يتبق له سوى سنوات قليلة من العمر التشغيلي. في سبتمبر 2025، كان هناك 63 مفاعلاً قيد الإنشاء حول العالم، بقدرة مجمعة تبلغ 66.2 غيغاواط. نصفها تقريباً (29 مفاعلاً) يُبنى في الصين.
مشهد الطاقة النووية في الاتحاد الأوروبي: تباينات حادة
الطاقة النووية تحتل موقعاً مهماً، وإن كان مثيراً للجدل، ضمن مزيج الطاقة الأوروبي. عام 2025، يشغل الاتحاد الأوروبي نحو 101 مفاعل نووي في 12 دولة عضواً، بقدرة مركبة تناهز 98 غيغاواط، تولد ما بين 23% و24% من كهرباء التكتل.
دول مثل فرنسا وسلوفاكيا تعتمد بشكل كبير على المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء. فرنسا لديها الحصة الأكبر من الطاقة النووية في مزيجها الطاقوي (67.3%). إسبانيا غطت حوالي 20% من احتياجاتها الكهربائية من مصادر نووية عام 2024. ألمانيا، على النقيض، تخلصت تماماً من الطاقة النووية عام 2023. هذه السياسات المتباينة تمثل تحدياً في وقت تعتبر فيه الطاقة النووية مصدراً موثوقاً ومنخفض الكربون.

محطة فلامانفيل النووية (فرنسا) والمفاعل 3 قيد الإنشاء.
البرنامج التوضيحي الأخير للطاقة النووية للمفوضية الأوروبية يقدر أن الاتحاد الأوروبي سيحتاج 241 مليار يورو استثمارات حتى 2050. هذا لدعم بناء محطات جديدة وتمديد عمر المفاعلات القائمة، دون احتساب التمويل الإضافي للمفاعلات المتقدمة (المفاعلات المعيارية الصغيرة SMR، والمفاعلات المعيارية المتقدمة AMR) ومشاريع طاقة الاندماج الأكثر غموضاً. وفقاً لسيناريو الأساس، يتوقع البرنامج ارتفاعاً متواضعاً في القدرة المركبة لتصل إلى 109 غيغاواط بحلول منتصف القرن، وإلى 144 غيغاواط في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، حيث يتم تمديد عمر المفاعلات الحالية وتطوير المشاريع الجديدة كما هو مخطط.
تفكيك المفاعلات النووية يتسارع
مع تقادم أسطول المفاعلات النووية العالمي، تتسارع وتيرة تفكيكها. بحلول 2050، سيدخل حوالي 200 مفاعل من أصل 420 مفاعلاً عاملاً حالياً حول العالم مرحلة التفكيك. هذه العمليات تستغرق غالباً 20 عاماً أو أكثر، من الإغلاق وحتى إعادة تأهيل الموقع. بدون استثمارات كبيرة وتصاميم جديدة، من غير المرجح أن تتمكن الصناعة النووية من إضافة قدرة كبيرة خلال العقود القادمة.
في أوروبا، تتجه العديد من محطات الجيلين الأول والثاني (خاصة في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا) نحو الإغلاق النهائي. المملكة المتحدة، على سبيل المثال، أطلقت برنامجاً يمتد لعقود ويكلف 27 مليار جنيه إسترليني لسحب أسطولها من مفاعلات الغاز المبردة المتقدمة (AGR). الهدف سحب الوقود من محطاتها السبع بحلول 2035. ألمانيا، من جانبها، أكملت عامين في برنامجها الشامل لتفكيك مفاعلاتها النووية.
رغم زخم التكنولوجيا، لا تزال الطاقة النووية تواجه عقبات هائلة (تأخيرات تنظيمية وتراخيص) تعرقل انتشارها وتزيد التكاليف.
عدد المفاعلات المتوقع إغلاقها في الولايات المتحدة بحلول 2030 يتزايد. الوحدات تقترب من نهاية عمرها التشغيلي، وتكاليف صيانتها ترتفع باستمرار. سوق خدمات التفكيك العالمي قد ينمو بشكل كبير، من 6.8-7.2 مليار دولار في 2023-2024 إلى 10-12 مليار دولار في 2030-2033. هذا النمو مدفوع بالمتطلبات التنظيمية، التكاليف البيئية، التزامات إدارة النفايات، والابتكار التكنولوجي في التفكيك وتنظيف المواقع.
تقنيات المفاعلات الجديدة: أمل لزيادة القدرة
تقنيات المفاعلات الجديدة، خاصة المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMR) وتصاميم الجيل الرابع، تعتبر حاسمة لتلبية الطلب على الطاقة الأساسية النظيفة والموثوقة. هذا يبرز بشكل خاص في المناطق التي تعاني من ضغط ارتفاع استهلاك الكهرباء.
المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs)، التي تصل قدرة الوحدة منها إلى 300 ميغاواط، مصممة للإنتاج في المصانع. هي وحدات معيارية تسمح بنشر أسرع، تأثير أقل على الموقع، وتوسع تدريجي. “هولتك إنترناشيونال” تخطط لتركيب وحدتين من طراز SMR-300 في ميشيغان بحلول 2030. هدفها الوصول إلى 10 غيغاواط من مفاعلات SMR في جميع أنحاء أمريكا الشمالية خلال ثلاثينيات القرن الحالي. في أوروبا، تراجعت السويد عن عقود من التوقف النووي، واختارت التكنولوجيا (من “جنرال إلكتريك فيرنوفا” الأمريكية أو “رولز رويس” البريطانية) لنشرها في محطة “رينغالز”، بقدرة متوقعة تبلغ 1500 ميغاواط بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.

مهاجرون أمام محطة غرافلين النووية في فرنسا.
تصاميم المفاعلات المعيارية الصغيرة يمكن أن تسهل أيضاً إزالة الكربون من القطاعات صعبة التخفيض (الحرارة الصناعية، إنتاج الهيدروجين)، وتدعم إمداداً طاقوياً أكثر موثوقية (خاصة حيث الشبكات ضعيفة أو نائية)، وتتكامل بمرونة أكبر مع الطاقات المتجددة. لكن هناك قيود: سلاسل التوريد (بما في ذلك الوقود المتقدم مثل اليورانيوم منخفض التخصيب وعالي الاختبار)، عقبات تنظيمية وترخيصية، تكاليف إضافية لكونها أولى من نوعها الجديد، والحاجة إلى فترات تسليم طويلة ودعم سياسي ثابت.
عمالقة التكنولوجيا يوقعون اتفاقيات نووية
عمالقة التكنولوجيا يتجاوزون مرحلة الخطاب إلى الفعل في ملف الطاقة النووية. في يونيو 2025، وقعت “ميتا” اتفاقية شراء طاقة تاريخية مع “كونستليشن إنرجي”. الاتفاقية تضمن لـ”ميتا” شراء كامل إنتاج مركز “كلينتون للطاقة النظيفة” في إلينوي لمدة 20 عاماً: 1121 ميغاواط من الكهرباء النظيفة المولدة نووياً، بدءاً من يونيو 2027. الاتفاق يحل محل إعانات الدولة من برنامج ائتمانات الانبعاثات الصفرية (ZEC)، الذي ينتهي عام 2027.
دعم “ميتا” يضمن تجديد ترخيص “كلينتون” وتشغيلها طويل الأمد. مبادرات مماثلة جارية؛ “كونستليشن” تعيد تشغيل مفاعل “ثري مايل آيلاند” (الذي أعيد تسميته بمركز “كرين للطاقة النظيفة”) بموجب اتفاق طويل الأمد مع “مايكروسوفت”، ويتوقع أن يدخل المفاعل الخدمة عام 2027. إضافة إلى ذلك، نشرت “ميتا” طلباً لتقديم مقترحات للشراكة مع مطوري مفاعلات كبيرة ومفاعلات SMR، بهدف إضافة ما بين 1 و4 غيغاواط من التوليد النووي الجديد بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.
تأخيرات تنظيمية وبنائية في الولايات المتحدة
رغم زخم عمالقة التكنولوجيا، لا تزال الطاقة النووية تواجه عقبات هائلة. تأخيرات تنظيمية وفي منح التراخيص تعرقل نشرها وترفع التكاليف. في الولايات المتحدة، عملية مراجعة اللجنة التنظيمية النووية (NRC) لإعادة التشغيل، زيادة القدرة، تجديد التراخيص، أو أنواع المفاعلات الجديدة، لا تزال بطيئة ومعقدة. حتى الاتفاقيات، غالباً ما تعتمد على موافقات معلقة. اتفاق “كلينتون-ميتا” مثلاً، مشروط بتجديد ترخيص وموافقة تنظيمية لما بعد 2027.
التكاليف الزائدة، التأخيرات، والمخاطر المالية مشكلات مستمرة للمطورين والمشغلين. مثال صارخ: محطة جديدة في ولاية جورجيا كان لها ميزانية أولية 14 مليار دولار، وكان من المقرر تشغيلها تجارياً بين 2016-2017. لكن المشروع تجاوز 30 مليار دولار، ودخل الخدمة الكاملة عام 2024. هذه التكاليف والتأخيرات لا تشكل عبئاً على المطورين فقط، بل على شركات المرافق العامة، الجهات التنظيمية، وفي النهاية، المستهلكين.
الطاقة النووية توفر مجالاً لتوسيع الطاقة النظيفة الأساسية، لكنها وحدها لن تلبي الطلب المتزايد من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
مخاوف الرأي العام بشأن السلامة النووية، التخلص من النفايات، والتكاليف لا تزال تشكل عبئاً. السياسات تميل إلى التذبذب؛ والإعانات، مثل برنامج ZEC في إلينوي، لها أفق زمني محدود. رغم أن الحكومة الأمريكية أبدت مؤخراً دعمها للطاقة النووية، ليس واضحاً ما إذا كانت الحوافز ستستمر. دعم شركات التكنولوجيا الكبرى يساعد، لكن عدم اليقين بشأن الحوافز الفيدرالية، إصلاح التراخيص، وربط الشبكات قد يؤخر المشاريع أو يخرجها عن مسارها. مخاطر السوق، بما في ذلك فترات البناء الطويلة والتكاليف غير المتوقعة، لا تزال مرتفعة.
على شركات التكنولوجيا وصناع السياسات التحلي بالاستراتيجية
في ظل “نهضة نووية” مفترضة، تلعب شركات التكنولوجيا دوراً حاسماً. لكن الأطراف المعنية لا تزال تواجه عقبات وقيوداً.
اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأمد (مثل “ميتا-كلينتون” أو “مايكروسوفت-كرين”) تساعد في مواجهة عدم اليقين بشأن الإعانات التشغيلية والتكاليف الرأسمالية الأولية المرتفعة للمحطات النووية. على شركات التكنولوجيا مواصلة استغلال مواردها المالية لدعم المحطات (خاصة القائمة بالفعل) لتجنب الإغلاق المبكر للأصول النظيفة.
على الحكومات التحرك لتقليل الاختناقات التنظيمية وتسهيل زيادة القدرة. يشمل ذلك تسريع مراجعات اللجنة التنظيمية النووية الأمريكية (NRC) والتقييم التنظيمي والترخيص في الاتحاد الأوروبي، توحيد منح التراخيص للمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMR)، تحسين إجراءات الربط البيني، وضمان استرداد تكاليف يمكن التنبؤ به. بدون ترخيص أسرع وسياسة متماسكة، سيتخلف دور الطاقة النووية عن الركب، في ظل الطلب المتزايد من مراكز البيانات وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية.

واجهة “تشات جي بي تي”؛ صعود الذكاء الاصطناعي يطلق العنان لاستهلاك كهربائي عالمي هائل.
الطاقة النووية توفر مجالاً لتوسيع الطاقة الأساسية النظيفة، لكنها وحدها لن تلبي الطلب المتزايد من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. الطاقة الشمسية، الرياح، التخزين، الكفاءة، والاستجابة للطلب، تظل مكونات أساسية لمحفظة متوازنة. الموافقة على مفاعل نووي جديد وتخطيطه وبناؤه وتشغيله قد يستغرق أكثر من عقد. في المقابل، يمكن تركيب الطاقة الشمسية على نطاق تجاري في غضون أشهر قليلة بمعظم الولايات القضائية. على شركات التكنولوجيا وصناع السياسات تأمين أنفسهم: الاستثمار في التوسع الفوري والرخيص للطاقات المتجددة وتخزينها، وأيضاً في مشاريع الطاقة النووية طويلة الأمد.
“جوع” الذكاء الاصطناعي للطاقة أجبر وادي السيليكون وشركات التكنولوجيا والطاقة الأوروبية على إعادة التفكير في استراتيجيات إمدادها. الطاقة النووية، التي همشت يوماً لأسباب أمنية، لا تعود للواجهة كعنصر مهم في أهداف إزالة الكربون طويلة الأمد فحسب، بل في التخطيط التشغيلي لضمان موثوقية الطاقة وتقليل الانبعاثات على المدى القصير أيضاً. اتفاقية “ميتا” لشراء الطاقة النووية مع “كلينتون”، وإعادة “مايكروسوفت” تنشيط “كرين”، واهتمام المستثمرين بالمفاعلات المعيارية الصغيرة، كلها تؤكد أن شركات التكنولوجيا الكبرى لم تعد تكتفي بالانتظار حتى تلحق شبكة الكهرباء بالركب. عمالقة الطاقة الإسبانية “ريبسول” و”إيبردرولا” يضخون أموالاً طائلة في مشاريع مراكز البيانات، ما يبرز أهمية البلاد في هذا السوق.
لكن لكي تفي الطاقة النووية بوعودها، يجب أن تكون محفظة المشاريع أكثر قابلية للتنبؤ، وأن تُضبط التكاليف بشكل أفضل، وأن تواكب الأطر التنظيمية والتشريعية الابتكار التكنولوجي، وأن تُضمن ثقة الجمهور. كثيراً ما تتجاوز مشاريع الطاقة النووية جداولها الزمنية بكثير، وتشكل عبئاً على المستثمرين أو الجمهور بسبب ارتفاع التكاليف. الفجوة في الولايات المتحدة بين الوعود الطموحة للقطاع الخاص النووي والقدرة الفعلية ستحدد ما إذا كان مستقبل الطاقة النظيفة للذكاء الاصطناعي يسير على الطريق الصحيح، أم أن الرهان الأفضل هو على الطاقات المتجددة. هذه الأخيرة تبدو رهان أوروبا. مع تردد أكبر من القطاع العام حول الطاقة النووية، تواصل أوروبا ضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، بقيادة شركات الطاقة الكبرى، مع التركيز على مصادر الطاقة الشمسية والرياح.
إسبانيا تعيد النظر في الطاقة النووية
إسبانيا تتمسك بخطتها للتخلص التدريجي من الطاقة النووية بين عامي 2027 و2035. الخطة مدعومة بالخطة السابعة للنفايات المشعة وتراخيص مجلس السلامة النووية. هذا رغم أن البرلمان فتح الباب عام 2025، دون إلزام، لاستكشاف إمكانية تمديد العمر التشغيلي للمحطات. عام 2024، وفرت الطاقة النووية حوالي 20% من الكهرباء، ما يفسر ضغط بعض المناطق الصناعية (مثل منطقة كوفيرنتس في فالنسيا) وجزء من القطاع لإبقاء المحطات عاملة لفترة أطول. مفاهيم المحطات الجديدة أو المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMR) موجودة أساساً كموضوع نقاش فني-سياسي، دون برنامج حكومي فعال. التوجه الحالي لإسبانيا هو التفكيك المنظم والتخزين المؤقت في الموقع. أي تغيير سيتطلب تشريعات وتمويلاً جديدين غير موجودين حالياً.
ملاحظات
1. يعبر عن ذروة الطلب بالغيغاواط؛ وهي أقصى كمية طاقة يطلبها المستخدمون في لحظة معينة. أما الاستهلاك خلال فترة زمنية، فيقاس بالتيراواط/ساعة.
2. اليورانيوم منخفض التخصيب عالي الاختبار (5-20% من اليورانيوم-235) مطلوب للعديد من التصاميم المتقدمة/المفاعلات المعيارية الصغيرة؛ وهو حالياً قيد رئيسي للإمداد خارج روسيا.









