أوهام السطح: لماذا تفشل صواريخ المليارات أمام درونات الدولارات؟
بينما تنفق واشنطن المليارات على الصواريخ، تثبت الأنفاق والمسيرات الرخيصة أن السطح لم يعد آمناً.

إسرائيل، بكل ما تملكه من تكنولوجيا وتفوق جوي مطلق، لم تنجح إلا في تدمير 40% فقط من أنفاق غزة بعد أكثر من عامين من القتال. هذه الحقيقة المزعجة ليست مجرد تفصيلة ميدانية، بل هي إنذار لمستقبل الحروب. الأرض فوق السطح أصبحت منطقة قتل مكشوفة، بينما واشنطن لا تزال غارقة في شراء منظومات “باتريوت” و”ثاد” الباهظة التي صُممت لإسقاط طائرات وصواريخ، لا لمواجهة آلاف المسيرات الانتحارية الرخيصة التي تجعل الحسابات الرياضية في صف المهاجم دائماً.
الدروس القادمة من أوكرانيا وإيران تؤكد أن كل ما هو ثابت وثمين فوق الأرض – محطات التحلية، مراكز البيانات، ناقلات النفط – هو هدف سهل. في أوكرانيا، استُخدمت 117 مسيرة هُربت في حاويات شحن لتدمير قاذفات روسية، وهو ما نسميه “عملية شبكة العنكبوت”. ومع ذلك، لا تزال القوات الجوية الأمريكية تعتقد أن استراتيجية “التشتيت” (ACE) كافية بدلاً من بناء ملاجئ محصنة. “أوبس”.. لقد أثبتت الحرب مع إيران عام 2026 (في السيناريوهات المتوقعة) أن الطائرات المركونة في العراء، حتى لو كانت مشتتة، هي مجرد أهداف تنتظر دورها.
ثمة فجوة غبية في العقيدة العسكرية الحالية؛ فنحن إما نحفر خندقاً يدوياً بجاروف الجندي، أو نبني مخبأً خرسانياً من طراز الحرب الباردة يستغرق سنوات ويكلف المليارات. أين الحلول الوسطى؟ أين آلات حفر الأنفاق السريعة أو الوحدات سابقة التجهيز التي يمكن دفنها في أيام؟ الأنفاق بعمق 15 إلى 30 قدماً توفر حماية لا توفرها الشباك التي تضعها أوكرانيا وروسيا فوق الطرق. النفق لا تراه طائرات الاستطلاع، ولا تدخل منه المسيرة عبر نافذة أو باب، ويصمد أمام كل شيء تقريباً باستثناء القنابل الخارقة للحصون.
المشكلة الحقيقية هي غياب الخيال. الفيلق الهندسي بالجيش بطيء، وصناعة الأنفاق التجارية لا تفكر في التطبيقات العسكرية السريعة. أمريكا لم تحارب عدواً على أرضها منذ عام 1812، وهذا ولد شعوراً زائفاً بالأمان. المحيطات لم تعد تحمينا من التهديدات غير المتماثلة. وبينما نركض خلف حلول مثل “الدرع الذهبي”، نتجاهل أن الاختباء تحت الأرض قد يكون هو المفتاح الوحيد للبقاء.
تجهيز ممرات حركة محمية ومراكز قيادة مدفونة ليس أمراً “جذاباً” مثل شراء طائرات مقاتلة جديدة، لكنه الفرق بين الانتصار والهزيمة في حرب لا ترحم أي شيء يظهر على الرادار أو تحت عين الدرون. المسألة لم تعد تتعلق بالسلاح، بل بالقدرة على الاختفاء عن السطح الذي أصبح مستباحاً بالكامل.






