لقاحات الأنف: محاولة لكسر “الجمود” الوبائي
تجارب ألمانية تراهن على حصانة الأغشية المخاطية لوقف العدوى

ما زلنا في حالة جمود مع كورونا، رغم أن الأيام المظلمة مرت. مئات الوفيات يومياً في أمريكا وحدها، والفيروس يغلي في الخلفية بينما نعود لحياتنا الطبيعية. الخطر الحقيقي؟ طفرة جديدة تعيدنا لنقطة الصفر. هنا يبرز دور علماء ألمانيا؛ فقد نجحوا في تطوير لقاح أنفي أوقف العدوى تماماً في أنوف وحلوق الهامستر، وهو المكان الذي يبدأ منه الفيروس رحلته.
الفكرة ليست مجرد حقنة، بل هي “مناعة تعقيمية”. اللقاح الألماني يعتمد على نسخة حية لكنها ضعيفة جداً من الفيروس. في التجارب، جرعتان من هذا اللقاح منعتا الفيروس من استنساخ نفسه في الممرات الهوائية العلوية.
لماذا الأنف؟ الأمر يشبه وضع رجال إطفاء تحت إنذار الحريق مباشرة داخل منزلك. إيمانويل ويلر، الباحث في مركز ماكس ديلبروك ببرلين، يقول إن المناعة التي توفرها الحقن التقليدية تسكن في الدم، ما يعني أنها تحتاج وقتاً للوصول لمكان الحريق. “إذا كان رجال الإطفاء على بعد ميلين، سيستغرقون وقتاً للوصول، وعندها يكون ثلث المنزل قد احترق بالفعل”.
اللقاحات الأنفية تحفز أجساماً مضادة من نوع (IgA). هذه الأجسام تمتلك أربعة أذرع للإمساك بالفيروس، مقارنة بذراعين فقط في أجسام (IgG) التي تنتجها الحقن. تاريخياً، تعد الأجسام المضادة المخاطية (Mucosal Immunity) خط الدفاع الأول والأكثر فتكاً بمسببات الأمراض التنفسية.
الصين والهند أطلقتا لقاحات أنفية العام الماضي، لكن لا أحد يعرف حقاً مدى فعاليتها؛ البيانات لم تُنشر بعد. في المقابل، استخدم الفريق الألماني تقنية “إلغاء تحسين زوج الكودون”. تخيل قراءة نص مكتوب بخطوط وأحجام مختلفة تماماً لكل حرف؛ سيكون من الصعب جداً على الخلية قراءته. هذا بالضبط ما فعلوه بالمادة الوراثية للفيروس لجعله عاجزاً عن التسبب بالمرض.
التجارب التي نُشرت في مجلة (Nature Microbiology) أظهرت أن هذا اللقاح أنتج استجابة مناعية أقوى بكثير من لقاحات (mRNA). السبب؟ اللقاح الحي الضعيف يحاكي العدوى الطبيعية بدقة، ويعرض الفيروس بأكمله على الجهاز المناعي، وليس فقط بروتين “سبايك” كما تفعل اللقاحات الحالية.
لكن التمويل يمثل عقبة ضخمة. غريغ بولاند من “مايو كلينك” يرى أن الناس يعتقدون أن سباق اللقاحات انتهى، وهذا وهم. “نحن بحاجة للقاح شامل لكل سلالات كورونا يوفر مناعة طويلة الأمد”.
هناك تحديات تقنية أيضاً. لقاح (FluMist) المخصص للإنفلونزا يعمل جيداً مع الأطفال، لكنه أقل فعالية مع البالغين لأن ذاكرتهم المناعية السابقة قد تحيد اللقاح قبل أن يبدأ عمله. كما أن اللقاحات الحية لا تناسب الجميع؛ المصابون بنقص المناعة قد يواجهون مخاطر حتى من الفيروسات المضعفة بشدة.
الدراسة بدأت في 2021، أي قبل ظهور أوميكرون. وعند اختبار اللقاح ضد أوميكرون، تراجعت قدرته على التحييد، ما يعني أنه سيحتاج لتحديثات مستمرة. حالياً، يتعاون العلماء مع شركة (RocketVax) السويسرية لبدء المرحلة الأولى من التجارب السريرية على البشر. هناك لقاحات أخرى في الطريق، مثل لقاح شركة (Codagenix) ولقاح آخر يُنتج في بيض الدجاج مثل لقاحات الإنفلونزا التقليدية. النتائج البشرية لهذه المحاولات هي ما سيحدد ما إذا كان الرهان على الأنف سيغير قواعد اللعبة أم سيظل حبيس المختبرات.









