جنازات باهظة في قارة فقيرة: طقوس تدمير الثروة في أفريقيا
لماذا ينفق فقراء أفريقيا ثرواتهم على الموت بدلاً من الحياة؟

في غانا، قد تجني المستشفيات من تخزين الموتى أموالاً أكثر مما تجنيه من علاج الأحياء. هذه ليست مفارقة ساخرة، بل واقع اقتصادي. عندما يموت شخص مثل “كوفي”، وهو رجل من قبيلة “أكان” يبلغ من العمر 74 عاماً، لا تبدأ مراسم الدفن فوراً. الجسد يذهب إلى الثلاجة، وسيبقى هناك لأسابيع، وربما لعام كامل. الفاتورة تتصاعد، وهذا هو المطلوب تماماً؛ فكلما طالت مدة بقاء الجثة في المشرحة، زادت الوجاهة الاجتماعية للعائلة. إنهم يثبتون قدرتهم على الدفع.
التكلفة قد تصل إلى 20 ألف دولار في بلد متوسط الدخل السنوي فيه لا يتجاوز 1500 دولار. الأمر يتجاوز غانا؛ في كوازولو ناتال بجنوب أفريقيا، تنفق الأسر دخل عام كامل على جنازة واحدة. وفي تنزانيا، تحديداً منطقة كاجيرا، الإنفاق على الموت يتجاوز الإنفاق على الرعاية الطبية بنسبة 50%. العبارة الشهيرة لدى قبائل الأكان تقول: “العائلة تحب الجثة” (abusua do funu)، وهي عبارة يرددها كبار السن بمرارة لأنهم يدركون أن الاهتمام بجنازاتهم سيفوق بمراحل الاهتمام بصحتهم وهم على قيد الحياة.
لماذا ينتحر الفقراء مالياً لدفن موتاهم؟ التفسير التقليدي يتحدث عن “احترام الأسلاف”، لكن الحقيقة أعمق وأكثر قسوة. الجنازة هي “إشارة مكلفة” للولاء. في المجتمعات القبلية، النجاح المالي للفرد يمثل تهديداً للمجموعة. إذا أصبح الشخص غنياً جداً، فقد يستقل وينفصل عن شبكة الأقارب. لذا، تفرض القبيلة “ضريبة سوداء” غير رسمية. أي فائض مالي يجب أن يُستهلك في طقوس عامة، والجنازة هي اللحظة التي لا يمكن لأحد فيها الاختباء أو ادعاء الفقر.
الخال أو “أبوسوابانين” (الرجل الأكبر في خط الأم) هو من يدير المشهد، لأن نظام الميراث هنا “ماتريال” (متعلق بالأم). هم من يختارون التابوت الخيالي، الذي قد يكون على شكل ثمرة كاكاو أو طائرة أو حتى فرشاة رسم، بتكلفة باهظة. هذا الإنفاق ليس مجرد بذخ، بل هو آلية دفاعية للمجتمع القبلي لمنع تراكم رأس المال الفردي. الفرد الذي يرفض الدفع يواجه “الموت الاجتماعي”؛ لن يجد من يقرضه، أو يحميه، أو حتى يكلمه.
في زيمبابوي، تبيع الأسر أثاثها أو تقلل وجبات الطعام لتغطية تكاليف الدفن، رغم أن البلاد تسجل معدلات مرتفعة للوفاة بسبب سوء التغذية. وفي كينيا، اعترف 63% من الذين انزلقوا إلى الفقر بأن مصاريف الجنازات كانت السبب الرئيسي. هذا النظام يعيد توزيع الثروة من المنتج إلى غير المنتج، مما يخنق أي فرصة لنمو اقتصادي حقيقي.
التكنولوجيا بدأت تخلق ثغرات في هذا الجدار الخانق. الحسابات البنكية الفردية وخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول (مثل M-Pesa في كينيا) منحت الأفراد القدرة على إخفاء دخولهم عن أقاربهم. في السنغال، عندما تمكنت النساء من استلام أموالهن سراً، قللن التحويلات للأقارب بنسبة الربع ووجهن المال للرعاية الصحية لأنفسهن. الخصوصية المالية هنا ليست مجرد رفاهية، بل هي أداة تحرر من نظام يصر على إبقاء الجميع تحت خط الفقر عبر حرق ثرواتهم في مراسم الوداع الأخير. الجنازة الباذخة هي في جوهرها عملية تدمير ممنهجة للفائض المالي، تضمن بقاء الفرد محتاجاً دائماً لشبكة القبيلة، حتى لو كان الثمن دفن مستقبل الأحياء مع الموتى.









