تكنولوجيا

حين كانت شاشات المستقبل تُضيء صفحات المجلات: لمحة من عصر ذهبي للتقنية

رحلة إلى عصر 'البيسك' و'أومني': حين كانت المعرفة تُصنع على الورق

محررة في قسم التكنولوجيا، تهتم بمتابعة أخبار الهواتف والتطبيقات الحديثة

في زمن سيطرت فيه أكوام الأكواد المنقولة، وأصبح البرمجة مجرد عملية نسخ ولصق، يسهل نسيان مرحلة كانت فيها الهندسة البرمجية تتطلب فهماً عميقاً. لم يكن هناك ذكاء اصطناعي جاهز لاستخراج كنوز العقول الماضية. مهندسو البرمجيات والمحللون حينها، كانوا يبنون كل شيء من الصفر. هؤلاء تحديداً، كانوا يقرأون ‘دكتور دوبز’.

‘دكتور دوبز’ لم يكن مجرد مجلة. بدأ في منتصف السبعينات كمبادرة متواضعة من بوب ألبرشت ودينيس أليسون، ركزت على لغة ‘تايني بيسك’ للحواسيب الدقيقة. في أول مرة رأيتها بمتجر ‘بايت شوب’ في أرلينغتون، تكساس، كانت مجرد نسخة مصورة لرسالة إخبارية بسيطة. لكنها نمت، لتصبح بحلول منتصف الثمانينات مرجعاً احترافياً للمتخصصين. كل أداة ‘كاس’ (CASE) صادفتها، قرأت عنها أولاً هناك. في التسعينيات، انحصر اهتمامها بلغات C/C++، لكن عقد الثمانينات شهد مقالات عن ‘فورث’، ‘موديولا-2’، و’هاكات 6502’. عدد فبراير 1987 تناول رؤية تاريخية لمفهوم ‘الذكاء الاصطناعي’، حين كان المصطلح يشمل أدوات وتقنيات متنوعة، ولم يكن مرادفاً حصرياً لنماذج اللغة الكبيرة أو الشبكات العصبية.

قبل ‘دكتور دوبز’، كانت ‘بايت’ هي نجمة ثورة الحواسيب الدقيقة. كانت المجلة المفضلة، تزامنت قوتها مع وصول أول جهاز ‘TRS-80’ لعائلتي. عدد أغسطس 1981 الشهير حول ‘سمول توك بالون’ صدر حين أحضرت والدتي محطة عمل ‘صن’ تعمل بنظام ‘سمول توك’. ‘بايت’ ركزت على المشاريع العملية: بناء واجهة كاسيت أو بطاقة رسوميات لنظام S-100، أو حتى ‘تجميع لغتك الخاصة’. سنواتها الأولى سبقت ظهور حاسوب IBM الشخصي بسنوات. ستيف تشيارتشيا، بمقالاته الشهرية ‘سيركيت سيلار’، قدم مشاريع أجهزة DIY شيقة. ‘سيركيت سيلار’ تحولت لاحقاً لكيان مستقل، ويبدو أن ستيف باع حصته عام 2016، ليعيش تقاعداً سعيداً.

لم تقتصر ‘بايت’ على المشاريع، بل خصصت أعداداً سنوية للغات برمجة معينة. عدد أغسطس 1977 ركز على ‘APL’، وعدد أغسطس 1979 غاص في أعماق ‘LISP’. لا تزال ‘بايت’ تستحق القراءة، حتى بعد خمسين عاماً. ربما ليست كل المقالات، لكنها تقدم نظرات عامة ممتازة لمواضيع لا تزال حيوية: لغات البرمجة، الألعاب، الموسيقى. لهواة تاريخ الحواسيب، إنها كنز من المصادر الأولية. عظماء العصر، مثل أديل غولدبرغ ودان إنغالز وسيمور بابرت، كتبوا فيها. وروبرت تيني، على مدى عقد كامل، أبدع رسومات الغلاف. كل رسمة كانت آسرة، ومناسبة، ومنفذة بإتقان. موقعه tinney.net يستحق بضع دقائق من التصفح.

ولجيل الهواة ومستخدمي الطاقة، برزت مجلات مثل ‘كومبيوت!’ و’كرييتف كومبيوتينغ’. هذه المجلات استقطبت شريحة لم تعمل كمهندسي برمجيات، لكنها اشترت أجهزة مثل ‘كومودور 64’ بهدف استكشاف إمكانات الحواسيب الشخصية. في تلك الحقبة، كان قليلون يمتلكون حاسوباً شخصياً، ناهيك عن هاتف محمول. كان هناك شعور عام بأن ‘المستقبل قادم’، وأن من يعرفون كيفية توصيل ‘كومودور 64’ لديهم فرصة أفضل لعدم سحقهم بهذا المستقبل. مجلة ‘بيرسونال كومبيوتينغ’، استهدفت جمهوراً أوسع. تضمنت مقالات عن برامج جداول البيانات، الألعاب، الرياضيات، والضرائب. الأهم، أنها استخدمت مصطلح ‘الحوسبة الشخصية’ قبل أن يصبح حاسوب IBM الشخصي فكرة في ذهن دون إستريدج.

ما جمع هذه المجلات – ‘بيرسونال كومبيوتينغ’، ‘كومبيوت!’، ‘كرييتف كومبيوتينغ’، و’بايت’ – هو قوائم البرامج المطبوعة. قوائم ‘بيسك’ جميلة، جاهزة للكتابة. هذا كان قبل الإنترنت العام. حتى أجهزة المودم كانت نادرة. الأقراص المرنة كانت تكلف دولاراً على الأقل، وتكاليف توزيع الوسائط المغناطيسية مع مجلة مطبوعة كانت باهظة. لو كنت طفلاً في أواخر السبعينات بامتلاكك ‘TI 99/4’ أو ‘TRS-80’، كانت المجلات المطبوعة هي مصدر برامجك. والأهم، كانت طريقك لتعلم برمجة ‘بيسك’. تعلم البرمجة حينها لم يكن انضباطاً صارماً. كان تقليداً وتجربة. نكتب برنامجاً، نتوقع ما سيحدث بتغييره، ثم نعدل الكود حتى يحقق ما نريده. لم يتغير الكثير في أساليب تعليم البرمجة، ربما صرنا نعتمد اليوم على نصوص بايثون ومقتطفات ‘جيت هاب’ و’ستاك أوفر فلو’ بدلاً من برامج ‘بيسك’ المطبوعة بالمجلات. ما يميز تلك الفترة هو بساطة البنية التحتية المطلوبة: بطاقة مكتبة وجهاز ‘أتاري 800’ كانا كل ما يلزم للمشاركة في بناء المستقبل.

‘أومني’ كانت مجلة أخرى من زمن الأوائل، أطلقها بوب غوتشيوني وزوجته كاثي كيتون عام 1978. ‘بلاي بوي’ في الخمسينات والستينات اشتهرت بمراجعاتها لأنظمة الهاي فاي، ألبومات الموسيقى، وروايات جيدة بشكل مفاجئ. غوتشيوني، ناشر ‘بنتهاوس’، أراد حصة من سوق التقنية والخيال العلمي. ‘أومني’ كانت حسية، ممتعة، بدت علمية وذكية. بدت وكأن لديها نظرة أفضل للمستقبل. لم تكن ‘أومني’ عن النساء العاريات، هذه كانت مجلته الأخرى. لم يكن فيها شيء إباحي صريح، لكنها قد تكون واحدة من أفضل المجلات تصميماً في ذلك العقد. أحد المعلقين على ‘هاكر نيوز’ وصف ‘أومني’ بأنها ‘أكثر شيء جاذبية أنتجته بنتهاوس بأموالها’. كلمات صادقة. أحياناً يكون الدماغ هو الأكثر جاذبية.

‘أومني’ نشرت باستمرار مقالات عن الأجسام الطائرة المجهولة، المستعمرات المدارية، وتصوير كيرليان. لكنها أيضاً أجرت مقابلات مع علماء مرموقين (مثل فريمان دايسون في عددها الافتتاحي). كل عدد أتذكره احتوى على ميزة صور، غالباً ما تركز على جانب من العالم الطبيعي، وقصص خيال علمي لكبار الكتاب في هذا النوع. ‘أومني’ كانت تفوح منها رائحة المستقبل، وتبدو بقيمة مليون دولار. يمكن العثور على نسخ من بعض أعدادها في أرشيف الإنترنت، يستحق الأمر تصفحها.

مقالات ذات صلة