عرب وعالم

مضيق هرمز: هدنة تجارية هشة وتهديدات أمريكية لا تتوقف

تطورات مضيق هرمز: بادرة إيرانية وتهديدات أمريكية وتساؤلات حول طبيعة التغيير في طهران

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

لطالما مثل مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي الحيوي، نقطة توتر جيوسياسية حادة، تتشابك عنده مصالح القوى الكبرى مع طموحات دول المنطقة. وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت مؤخراً بادرة إيرانية، تمثلت في السماح بمرور عشرين سفينة تجارية عبر المضيق، لتعيد إلى الواجهة تساؤلات حول طبيعة التفاعل بين طهران وواشنطن، ومدى إمكانية أن تمهد هذه الخطوات الطريق أمام حوار ينهي حالة الجمود.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، علّق على هذا التطور الأخير، واصفاً سماح إيران بعبور السفن التجارية خلال الأيام المقبلة بأنه “بادرة احترام” تمهد الطريق لمحادثات السلام بوساطة باكستانية. ورغم أن هذه السفن تحمل أعلاماً باكستانية ولم يُكشف عن حمولتها أو وجهتها، إلا أن ترامب اعتبر القرار الإيراني “تحية” للولايات المتحدة. إعادة فتح الملاحة التجارية بالمنطقة، كما يرى ترامب، أحد المطالب الأساسية لواشنطن لوقف إطلاق النار.

لم يتوانَ الرئيس الأمريكي عن التهديد، فبعد احتفائه بالبادرة الإيرانية، حذّر في منشور على “تروث سوشيال” من أنه، ورغم اعتباره المفاوضين الإيرانيين “معقولين”، فإنه يحتفظ بحق “تدمير كامل” للبنية التحتية النفطية الإيرانية في حال عدم التوصل لاتفاق. يشمل هذا التهديد صراحة جزيرة خارك، التي تعد المحور الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، وشريان حياة للاقتصاد الإيراني، ما يلامس جوهر قدرة طهران على الاستمرار الاقتصادي وتزويد الأسواق العالمية.

الحكومة الباكستانية هي من أعلنت هدنة حركة الملاحة التجارية، وتندرج هذه الخطوة ضمن مفاوضات حصلت بالفعل على موافقة وزراء خارجية المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر.

الأسبوع الماضي، سمحت طهران بمرور عشر ناقلات نفط أخرى، وهو ما اعتبره ترامب أيضاً مؤشراً إيجابياً نحو حل تفاوضي للنزاع. مع ذلك، كانت الوجهات الأكثر ترجيحاً لتلك الشحنات هي الصين والهند، المستوردتان الرئيسيتان للنفط الإيراني.

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، أكد الاتفاق الذي يشمل عبور سفينتين يومياً عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي يمر من خلاله نحو 20% من النفط العالمي، متجهاً بشكل خاص إلى آسيا. هذه الأرقام تؤكد الأهمية القصوى للمضيق في معادلة الطاقة العالمية، وتفسر سعي الأطراف للتوصل إلى تسوية.

“هذه بادرة مرحب بها وبناءة من جانب إيران، وتستحق التقدير”، هكذا احتفى رئيس الدبلوماسية الباكستانية عبر رسالة نشرها على منصات التواصل الاجتماعي. مضيفاً: “إنها نذير سلام وستساعد في استعادة الاستقرار بالمنطقة.”

الرفع الجزئي للحصار البحري عن باكستان جاء بعد ساعات من مكالمة هاتفية مطولة جمعت رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بالرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان.

من جانبها، طرحت طهران على إسلام آباد ضرورة “بناء الثقة” كشرط مسبق للمضي قدماً في المحادثات بشأن مقترح السلام الذي تدعمه الولايات المتحدة. هذا المطلب يؤكد أن الشكوك العميقة لا تزال تلقي بظلالها على أي تقدم.

دار أيضاً أجرى محادثة هاتفية مفصلة مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي. بكين أبلغت عن “دعمها الكامل لمبادرة باكستان لاستضافة المحادثات بين إيران والولايات المتحدة.”

في السياق ذاته، نقل الأمين العام للأمم المتحدة إلى إسلام آباد “دعمه الكامل لمبادرة السلام” الباكستانية بعد اتصال مباشر مع رئيس دبلوماسية الدولة الآسيوية، ما يضفي ثقلاً دولياً على المساعي الباكستانية.

**”لقد غيّرنا النظام بالفعل”**

في حديثه على متن طائرته الرئاسية “إير فورس ون”، تناول ترامب أيضاً أحد مطالبه الأخرى للسلام، وهو “تغيير النظام” في إيران. ووفقاً لتفسير الزعيم الأمريكي، فإن هذه الشروط قد تحققت بالفعل، لأن القيادات الإيرانية قد تغيرت.

“أعتقد أننا شهدنا بالفعل تغييراً في النظام”، هكذا قيّم ترامب في إشارة إلى وفاة قادة مثل آية الله علي خامنئي. “هذا في الواقع تغيير للنظام”. لكن، الهياكل الأساسية للجمهورية الإسلامية لم تتغير، ولا تزال في قبضة رجال الدين والحرس الثوري، ما يضع تفسير ترامب في موضع تساؤل حاد بشأن فهمه لتركيبة السلطة الإيرانية.

اختار واشنطن مسؤولين رفيعين في النظام، هما عباس عراقجي، وزير الخارجية، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، ليكونوا محاورين محتملين لوقف إطلاق النار والتوصل إلى حل تفاوضي للنزاع.

مع ذلك، ورغم انتماء كليهما إلى “الجناح المدني” في النظام، على عكس رجال الدين والعسكريين، فإنهما لا يعتبران من القطاعات الإصلاحية. عراقجي تحدى ترامب في السابق بنشر قوات لمواجهة مباشرة مع الجيش الإيراني، مؤكداً “إنهم ينتظرونهم”، ما يعكس صلابة الموقف الإيراني حتى من “الجناح المدني”.

مطلب الإطاحة بنظام آيات الله كان إحدى أولويات ترامب المعلنة في خطابه بتاريخ 28 فبراير 2026، الذي أعلن فيه بدء عملية “الغضب الملحمي”. بيد أن صمود الإيرانيين وعجز المعارضة عن مواجهة القمع في زمن الحرب، دفعاه إلى تخفيف حدة هذا المطلب، ليصبح أكثر واقعية.

تتضمن المطالب الحالية للولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق مع إيران إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يهدد إغلاقه بالاستعصاء والتسبب في ركود عالمي. كما تطالب واشنطن طهران بالتخلي عن برنامجها النووي وصواريخها الباليستية، وهي مطالب كانت جزءاً من المحادثات في جنيف قبل أن تقرر الولايات المتحدة الانسحاب منها، ما يعني العودة إلى نقطة الخلاف الأساسية.

في خطابه على متن الطائرة الرئاسية، لم يؤكد ترامب ما إذا كان نائبه جي. دي. فانس سيكون المبعوث الأمريكي إلى قمة إسلام آباد. فانس هو الشخص الذي طلبته طهران، التي تطالب أيضاً بتعويضات من الولايات المتحدة عن الأضرار الناجمة عن الحرب، والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، ورفع العقوبات الدولية، ما يعكس قائمة مطالب إيرانية شاملة ومعقدة.

صباح يوم الاثنين، أكد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، أن الولايات المتحدة وبلاده يتبادلان الرسائل عبر وسطاء، منهم باكستان. لكنه وصف المقترحات المستلمة بأنها “مطالب مفرطة وغير منطقية”، ما يشير إلى أن الفجوة لا تزال واسعة بين الطرفين رغم بادرات الانفتاح الأخيرة.

مقالات ذات صلة