سيارات

هوندا ترفع «الراية البيضاء».. لماذا تراجعت اليابان عن حلم السيارة الكهربائية بعد خسارة المليارات؟

قرار مفاجئ يطيح بمشروع 'سلسلة 0' الطموح ويثير تساؤلات حول مستقبل صانعة السيارات اليابانية في سوق المركبات الكهربائية

كاتب صحفي متخصص في عالم السيارات، يمتلك خبرة عملية في متابعة سوق السيارات في الشرق الأوسط، مع تركيز على مراجعات الأداء، تغطية السيارات \\ وتحليل آخر التطورات التكنولوجية في صناعة السيارات.

الحسابات على الورق غالباً ما تصطدم بصخرة الواقع، وهذا ما حدث بالضبط مع عملاق الصناعة اليابانية «هوندا». الشركة التي كانت تروج لمستقبل كهربائي ثوري، وجدت نفسها فجأة أمام نزيف مليارات لم يكن في الحسبان. التراجع الأخير عن مشروع «سلسلة 0» (0 Series) ليس مجرد تغيير في الخطط، بل هو اعتراف صريح بأن اللحاق بقطار الكهرباء السريع بات مكلفاً لدرجة قد تهدد استقرار الشركة المالي.

القصة بدأت بطموح هندسي مفرط. كانت هوندا تراهن على منصة كهربائية تعتمد فلسفة «نحيف، خفيف، وذكي». الفكرة كانت تهدف لإنتاج سيارات بمركز ثقل منخفض جداً لضمان ثبات أسطوري، مع استخدام تقنية «الصب العملاق» (Gigacasting) لتقليل عدد أجزاء الهيكل. الحقيقة أن هذه التقنية، التي نجحت فيها تسلا ببراعة، أثبتت أنها «فخ» لميزانيات هوندا الصارمة؛ فالتكاليف التشغيلية لتنفيذها بالدقة اليابانية المعهودة قفزت بالأرقام إلى مستويات غير منطقية.

 

بالنظر إلى التصميم، كانت النماذج الأولية لسيارات الـ SUV تبدو وكأنها خرجت للتو من مختبرات ناسا. سقف زجاجي بالكامل، وعجلة قيادة «نير» تشبه تلك الموجودة في الطائرات، وشاشات تغطي قمرة القيادة. هوندا كانت تحاول هنا كسر هيمنة «تيسلا موديل واي» و«أيونيك 5»، لكن الصدمة كانت في السعر المتوقع؛ إذ تشير التقديرات إلى أن السيارة لو طُرحت، لتجاوز سعرها حاجز الـ 2.5 مليون جنيه مصري، وهو رقم يجعل المنافسة مع الوحوش الصينية مثل «بي واي دي» (BYD) ضرباً من الانتحار التجاري.

وعلى ذكر التكنولوجيا، فإن الخسارة الكبرى تكمن في نظام التشغيل «أسيمو أو إس» (Asimo OS). هوندا لم تكن تطور مجرد نظام ترفيه، بل كانت تحاول دمج إرثها في الروبوتات داخل السيارة لتوفير قيادة ذاتية من المستوى الثالث. لكن، هل يحتاج المستهلك العالق في زحام القاهرة أو نيويورك لسيارة تفكر نيابة عنه بهذا التعقيد؟ يبدو أن هوندا أجابت على هذا السؤال بالانسحاب المؤقت، مدركة أن «العقل الإلكتروني» وحده لا يبيع السيارات إذا كان الثمن باهظاً.

Photo by: Honda

بصراحة، القرار رغم قسوته يبدو منطقياً. السوق الأمريكي -وهو الملعب الرئيسي لهوندا- بدأ يبرد تجاه السيارات الكهربائية بالكامل، مع عودة قوية لثقافة السيارات الهجينة (Hybrid). هوندا، التي تصنع محركات احتراق داخلي هي الأفضل عالمياً، وجدت أن رمي كل أوراقها في سلة «الكهرباء الكاملة» الآن هو مخاطرة غير محسوبة. فالواقع يقول إن المستهلك التقليدي لا يزال يخشى من ضعف البنية التحتية للشحن ويرفض دفع مبالغ خرافية في تكنولوجيا لا تزال تتطور.

 

هذا التراجع يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصير شراكة هوندا مع «سوني» في مشروع سيارة «أفيلا» (Afeela). هل ستنجو تلك الشراكة؟ المرجح أن هوندا ستحاول إعادة تدوير ما تعلمته من «سلسلة 0» في طرازات هجينة أكثر واقعية. الدرس الياباني هنا واضح: الابتكار لا يحمي أحداً من قوانين السوق، و«نقطة الصفر» التي بدأت منها هوندا، انتهت إليها فعلياً، بانتظار استراتيجية جديدة تعيد للهيبة اليابانية بريقها بعيداً عن أحلام المليارات الضائعة.

مقالات ذات صلة