المحكمة العليا الأمريكية تلوح بتعديل جذري لقواعد التصويت بالبريد
قرار مرتقب قد يعيد تشكيل خارطة الانتخابات في الولايات المتحدة


تتجه المحكمة العليا الأمريكية نحو تغييرات واسعة النطاق في قواعد التصويت بالبريد، وهو ما قد يلقي بظلاله على الانتخابات المقبلة في البلاد. فخلال جلسة استماع عقدتها في واشنطن، بدا أن أغلبية قضاة المحكمة يميلون إلى نقض قانون ولاية ميسيسيبي الذي يسمح باحتساب بطاقات الاقتراع التي تصل بعد خمسة أيام من يوم الانتخابات، شرط أن تكون مختومة قبل هذا التاريخ.
هذا التحرك القضائي، الذي ينتظر صدور حكمه قبل نهاية الدورة القضائية في يونيو أو مطلع يوليو على أقصى تقدير، لن يقتصر أثره على ميسيسيبي وحدها. بل سيشمل ما لا يقل عن 18 ولاية وإقليماً أمريكياً آخر، تعتمد آليات مشابهة للسماح باحتساب الأصوات البريدية المتأخرة. أي قرار من المحكمة العليا، بوصفها أعلى سلطة قضائية، يُلزم جميع المحاكم الدنيا والولايات، مما يجعله سابقة قانونية تُرسي قواعد جديدة للعملية الانتخابية برمتها.
يأتي هذا التوجه القضائي في قلب حملة مستمرة يقودها الرئيس السابق دونالد ترامب لتعديل القوانين الانتخابية، وهي إحدى هواجسه الأساسية. فخلال ولايته الأولى، عيّن ترامب ثلاثة من القضاة المحافظين الستة في المحكمة العليا، ما منح اليمين أغلبية واضحة. لطالما شن ترامب هجوماً على التصويت بالبريد، معتبراً إياه أحد أسوأ “إخفاقات” الديمقراطية الأمريكية الراهنة، باستثناء حالات نادرة. هذا النوع من التصويت تزايد بشكل كبير خلال جائحة كورونا، وفي انتخابات 2020، أمضى ترامب أشهرًا يحذر من “تزوير انتخابي” مزعوم، وعندما خسر بوضوح أمام الديمقراطي جو بايدن، رفض قبول النتيجة، وما زال يفعل ذلك.
داخل قاعة المحكمة، شهدت الجلسة جدالاً حاداً. استفسر القضاة المحافظون مطولاً من محامي ولاية ميسيسيبي حول الموعد الذي يمكن فيه اعتبار الانتخابات منتهية بشكل قاطع. في المقابل، رفضت القاضيات الليبراليات الثلاث الحجج المعارضة التي قدمها كل من اللجنة الوطنية الجمهورية وإدارة ترامب. ذكّرت القاضيات بأن صلاحية وضع القواعد الانتخابية تظل من اختصاص الولايات، رغم دعوة ترامب الأخيرة للجمهوريين إلى “تأميم الانتخابات” قبيل موعد نوفمبر المقبل، حيث يتنافس الجميع على السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، وهو ما يعكس التوتر التاريخي بين سلطة الولايات والسلطة الفيدرالية في القانون الانتخابي الأمريكي.
في سياق متصل، يضغط ترامب منذ أشهر على الكونغرس لتمرير قانون انتخابي جديد يشدد قواعد التصويت. يهدف هذا القانون، بحسب حججه، إلى منع التزوير ومشاركة المهاجرين غير الشرعيين، رغم أن البيانات تشير إلى أن أعدادهم المشاركة ضئيلة للغاية. يقترح القانون أيضاً تشديد شروط التسجيل للتصويت، بطلب جواز السفر أو شهادة الميلاد كإثبات هوية.
يحذر منتقدو هذا القانون من أنه سيقوض حقوق ملايين المواطنين، فنحو نصف الأمريكيين لا يملكون جواز سفر، وستواجه النساء اللواتي يغيرن ألقابهن بعد الزواج مشكلة مع شهادات ميلادهن. أقر مجلس النواب هذا التشريع، ويجري النظر فيه الآن في مجلس الشيوخ، حيث يحتاج إلى 60 صوتاً لتمريره، وهو أمر مستبعد للغاية. البديل الوحيد هو أن يعطل الجمهوريون آلية “العرقلة الفلبستر”، التي تقتضي أغلبية مؤهلة لاتخاذ قرارات بهذا الحجم.
تعود جذور القضية التي تنظر فيها المحكمة العليا حالياً إلى دعوى رفعتها في عام 2024 اللجنة الوطنية الجمهورية، والحزب الجمهوري في ميسيسيبي، وعدد من الناخبين الأفراد. يرى هؤلاء أن قواعد الولاية تتعارض مع القوانين الفيدرالية. كانت المحكمة الابتدائية قد أيدت ميسيسيبي في حكمها، وهو ما أقرته لاحقاً محكمة الاستئناف للدائرة الخامسة في الولايات المتحدة.
لا يقتصر التدقيق القضائي في المحكمة العليا على هذا الملف الانتخابي فحسب. هناك أيضاً طعن جمهوري يسعى لإزالة سقف الإنفاق على الحملات الانتخابية للأحزاب بالتنسيق مع المرشحين، بالإضافة إلى دعوى قضائية رفعها مجموعة من الناخبين البيض في لويزيانا يزعمون فيها أن إنشاء دائرة انتخابية ثانية للملونين انتهك الدستور. إن حسم هذه القضايا الثلاث، التي قد تقلب قواعد اللعبة الانتخابية المعمول بها منذ عقود، ينتظر بضعة أشهر أخرى، وهي أشهر حاسمة ستحدد معالم المشهد السياسي الأمريكي.







