دراسة تكشف سر العلاقة المبكرة بين الزهايمر واضطرابات النوم
بروتين 'تاو' يستولي على طاقة الدماغ ويمنع النوم العميق

تسبق مشكلات النوم غالبًا ظهور علامات الزهايمر المألوفة بسنوات طويلة. هذا اللغز يكشف باحثون الآن سرًا مهمًا فيه، يربط الأمر بتراكم بروتين ‘تاو’ السام داخل الدماغ، وهو ما يصاحب دائمًا مرض الزهايمر.
تتسبب تكتلات بروتين تاو، المعروفة، في إتلاف خلايا المخ العصبية وتعطيل تواصلها. هذا العطل يؤدي بدوره إلى مشكلات التفكير والذاكرة المرتبطة بالزهايمر. تلفٌ لا رجعة فيه.
فريق من جامعة كنتاكي الأمريكية، يقود هذه الدراسة الجديدة، اكتشف مفاجأة. بروتين تاو يستولي على طاقة الدماغ. يبقى الخلايا العصبية متحفزة بشكل مفرط، ويمنع الدماغ من الاستغراق في النوم. تحديٌ خطير يواجه ملايين المصريين الذين يعانون من اضطرابات النوم المزمنة.
أظهرت الدراسة، باستخدام نماذج مرضية مرتبطة ببروتين تاو على فئران التجارب، أن تراكم تاو غير الطبيعي يدفع الدماغ لعدم استخدام السكر كمصدر طبيعي للطاقة. ينتج الدماغ بدلًا من ذلك مادة ‘الغلوتامات’ الكيميائية، وهي ناقل عصبي يحفز خلايا المخ، ويساعد على التعلم والتذكر.
الغلوتامات، مثل تاو، مفيدة عادة. لكن كمياتها الزائدة تبقي الدماغ في حالة تأهب قصوى، ما يصعب النوم. يرى الباحثون احتمالًا بأن هذا رد فعل طارئ من الدماغ للحفاظ على عمله، مع بدء تاو بإحداث الفوضى. معركة خاسرة.
تصف شانون ماكولي، أخصائية علم وظائف الأعضاء بجامعة كنتاكي والباحثة الرئيسية، الأمر قائلة: "الدماغ يتصرف كطفل عنيد يرفض الاستكانة والنوم."
تضيف ماكولي: "يستولي الدماغ على كل سكر الدم لإنتاج الغلوتامات بشكل متكرر، يحافظ على يقظة الجهاز. يمنعه ذلك من الوصول إلى مراحل النوم العميق والمريح الضروري للتعافي وتكوين الذاكرة."
تكتلات بروتين تاو في عينة من نسيج الدماغ. (ميكائيل هاغستروم / ملكية عامة)
لاحظ الباحثون هذا الاستيلاء على طاقة الدماغ في مراحل مبكرة جدًا من خلل بروتين تاو، قبل حتى أن تتكون تكتلاته الكاملة. يفسر هذا كيف تسبق اضطرابات النوم مرض الزهايمر بسنوات طويلة. (تبقى هذه النتائج مستقاة من دراسات على أدمغة الفئران فقط).
ربطت أبحاث سابقة الزهايمر بمشكلات في ‘القنوات الكيميائية’ التي تولد الطاقة داخل خلايا المخ. إحدى النظريات السائدة ترى أن خلل هذه القنوات في قراءة مستويات سكر الدم والاستجابة لها يساهم في تطور الزهايمر.
يقترح الباحثون هنا أن تكتلات بروتين تاو تدفع إمدادات الطاقة في الدماغ للعمل بشكل مفرط. تعيد توجيه ‘الوقود’ وتخل بتوازن التحفيز والتثبيط.
توجد هنا حلقة مفرغة: الزهايمر يعطل النوم، وهذا بدوره يزيد المرض سوءًا. فهم هذه الحلقة قد يساعد العلماء على كسرها. حلقة مدمرة تهدد جودة حياة كبار السن في مجتمعاتنا.
يقترح الباحثون أن الأدوية المتوفرة حاليًا، والتي تعدل ‘عمليات الأيض’ في الدماغ (مثل أدوية الصرع أو السكري من النوع الثاني)، قد تهدئ النشاط المفرط. هذه الأدوية تساعد المرضى على نوم أفضل. وهذا بدوره قد يبطئ تقدم المرض.
توضح ماكولي أن "المثير حقًا هو أن بعض هذه الأعراض تبدو قابلة للعكس. يعني هذا أننا لا نحتاج لإعادة إنماء الخلايا العصبية أو التخلص من جميع التكتلات والتشابكات في الدماغ لاستعادة النوم."
تضيف الدراسة دليلًا جديدًا على مدى تعقيد الزهايمر، من حيث أسبابه ونتائجه. مرضٌ متعدد الأوجه.
الاحتمال الأرجح أن أي علاج فعال للزهايمر سيحتاج لمعالجة عدة عمليات مختلة داخل الدماغ. ربما يشمل العلاج أجزاء أخرى من الجسم أيضًا، فقد ربط المرض مرارًا بالتهابات في الأمعاء، على سبيل المثال.
في هذه الأثناء، تتزايد عوامل خطر الإصابة بالزهايمر التي نعرفها. يرتبط الكثير منها بخيارات نمط الحياة. وهو ما يستدعي وعيًا مجتمعيًا أكبر.
يؤكد رايلي إيرمن، أخصائي علم وظائف الأعضاء بجامعة كنتاكي: "حتى تتوفر علاجات معدلة للمرض، يبقى التركيز على عوامل يمكن للأفراد تعديلها، كالنوم، لتقليل قابلية الإصابة، أمرًا بالغ الأهمية."
ويضيف: "ربط هذه الاكتشافات العلمية الأساسية بتأثير مجتمعي ملموس مهم جدًا." نشرت هذه الأبحاث في دورية ‘إن بي جي ديمينشيا’ العلمية.









