فن

ستيفن غالاغر: من عروض ‘غوريلاز’ إلى رحلة فنية تستلهم الأساطير المصرية القديمة

المدير الإبداعي الشهير يكشف عن عمله الفردي الأول في لوس أنجلوس، مستكشفاً العلاقة بين النوم وسلاسل الإمداد العالمية

يُعرف ستيفن توماس غالاغر بأنه العقل المدبر وراء تصميم العروض الحية لأسماء فنية بارزة مثل ‘غوريلاز’ و’لانا ديل ري’، لكنه يرى في نفسه رجلاً عادياً، يجد متعته في خبز الخبز وصنع العجين. هذا الفنان الذي بنى ذات مرة برجاً لندنياً مشتعلاً مع قطار أنفاق محطم في مهرجان غلاستونبري، وأحضر قطعة من نيويورك السبعينيات إلى لندن، يستعد الآن لتقديم مشروعه الفني الأحدث.

يستعد غالاغر، المدير الإبداعي لأحد أكثر الفرق الموسيقية البصرية طموحاً في القرن الحادي والعشرين، لتقديم عمله الفردي الأول في معرض أمريكي هذا الشهر. ففي ليلة واحدة، وتحديداً الثلاثاء 24 فبراير، ستعرض صالة ‘ذا بيت’ في لوس أنجلوس، عمله الفني ‘غروب الشمس: ابتهاج قرود البابون’ (Sunset: The Jubilation of the Baboons)، وهو عمل فيديو آسر يمزج بين الطابع الصناعي والحلمي. يمثل هذا العرض، الذي تصفه الصالة بأنه ‘مرحلة جديدة طموحة من العمل الفردي’، الدفعة الأولى من سلسلة مخططة من 12 جزءاً بعنوان ‘الساعات’ (The Hours).

وعلى الرغم من هذه المشاريع الضخمة، يؤكد غالاغر في حوار هاتفي أجري معه مؤخراً، أنه مجرد رجل عادي. فحديثنا الذي امتد لساعة تقريباً، مال نحو الأنشطة اليومية أكثر من الحديث عن الاستعراضات الفنية الكبرى، مثل صناعة الخبز.

يقول ضاحكاً: ‘كنت أصنع العجين هذا الأسبوع – أخبز الخبز. شيء لم أفعله منذ الإغلاق، إن كنت تصدق ذلك. الجميع كان يفعلها، ثم لسبب ما توقفت تماماً بمجرد أن أصبح متاحاً للشراء من المتجر المحلي. خبزي بسيط، لكن كل شيء يكون أفضل عندما يُصنع في المنزل’.

رحلة من كوفنتري إلى أساطير مصر

يبدأ المقطع الدعائي للعمل الفني بلقطات جوية لميناء لوس أنجلوس، تتوهج مياهه باللونين الوردي والذهبي، ثم ينتقل بشكل مفاجج إلى قرود البابون. مشهد غريب، لكنه مريح في آن واحد، وهذا ليس من قبيل الصدفة.

بدأ المشروع بعيداً عن شمس لوس أنجلوس الساطعة، في كوفنتري بإنجلترا. كان غالاغر يبحث في إعادة إعمار المدينة بعد الحرب، عندما عثر على نقش صغير للإله المصري القديم ‘آتون’، إله الشمس، مخبأً خلف عمود في ممر تسوق. كان مخطط المدينة الذي أعاد بناء كوفنتري مهووساً بعلم المصريات. هذا الاكتشاف قاده إلى نص ‘الأمدوات’ (Amduat)، وهو نص جنائزي مصري قديم يصف رحلة إله الشمس لمدة 12 ساعة عبر الليل.

يقول غالاغر إن ‘الأمدوات’ يدور حول ‘ما يحدث عندما ننام. ما يحدث عندما نموت. إنه عن المرور بأحلك الأماكن والولادة من جديد’.

في نسخته المعاصرة، لم تعد السفينة التي تحملنا عبر الليل قارباً شمسياً أسطورياً، بل هي حاوية الشحن التي تظهر في بداية الفيديو. فبدلاً من قارب مصري ينزلق عبر العالم السفلي، نرى صناديق فولاذية مكدسة على سفن الشحن، تتحرك عبر المحيطات. لتصبح سلسلة التوريد العالمية هي النسيج الرابط للبشرية.

يضيف غالاغر: ‘غلاية بديلة، طلب أمازون في وقت متأخر من الليل، الشخص الذي يقوم بتعبئتها في المصنع، الشخص الذي يحملها على السفينة في الرصيف: كلهم متصلون. نحن نعرف ذلك نوعاً ما، لكننا نختار تجاهله باسم الراحة’.

Black and white photo of Stephen Thomas Gallagher, wearing an apron and with a charcoal stick in hand. He looks down at several fresh drawings.
ستيفن توماس غالاغر أثناء عمله، 2025. تصوير مارتن بيري.

تصوير من الجو وتحرير في الأحلام

لتصوير العمل، ذهب غالاغر مباشرة إلى المصدر. فبينما كان في كاليفورنيا لحضور مهرجان كوتشيلا عام 2023، استأجر طائرة هليكوبتر من كومبتون. سأله الطيار: ‘هل تريدني أن أخلع الأبواب؟’ فأجاب غالاغر: ‘نعم، من فضلك’.

حلق الاثنان على ارتفاع منخفض فوق الميناء، بين الرافعات التي ترفع الحاويات إلى السفن. يقول ضاحكاً: ‘اعتقدت أننا سنُسقط. كان الأمر لا يصدق’. وقد صُورت بعض اللقطات لاحقاً، في منزله في دونيغال، على ساحل أيرلندا الأطلسي.

ثم يأتي الجزء الأكثر غرابة في هذه القصة: قام غالاغر بتحرير الفيلم عن طريق النوم. لقد أصبح مفتوناً بحالة ‘التنويم المغناطيسي’ (hypnagogia)، وهي الحالة الانتقالية بين اليقظة والنوم. قرأ عن فنانين مثل سلفادور دالي، الذي كان يغفو ومفاتيح في يده، ليسقطها على طبق معدني ليظل مستيقظاً لحظة الانجراف. جرب غالاغر ذلك. كان يجلس على كرسي الاستوديو الخاص به، يفكر بعمق في حاويات الشحن و’الأمدوات’، ثم يدع نفسه يغفو. وعندما يغرق في النوم، يستيقظ ويدون الملاحظات.

يقول: ‘إنه رائع جداً. حل المشكلات الإبداعية رائع حقاً في تلك الحالة’. وقد انبثق هيكل عمل ‘غروب الشمس’ من تلك الجلسات، من تلك المساحة الذهنية الحدية بين الوضوح والحلم.

6 Stephen Thomas Gallagher Sunset The Jubilation of The Baboons 2026 still. Courtesy of SWEAR Studio
ستيفن توماس غالاغر، غروب الشمس – ابتهاج قرود البابون، 2026 (لقطة ثابتة). بإذن من استوديو SWEAR.

فلسفة فنية تتجاوز المسرح

لا يختلف نهج غالاغر في ‘غروب الشمس’ كثيراً عن أعماله السابقة. فقد اشتهر استوديو ‘بلوك 9’ (Block9)، الذي شارك في تأسيسه، بمنشآته الضخمة في مهرجان غلاستونبري. ومن أبرز مساهمات ‘بلوك 9’ هناك، مجموعة شوارع نيويورك كاملة تخفي داخلها نادياً ليلياً للمثليين من أواخر السبعينيات.

مع فرقة ‘غوريلاز’ الافتراضية الأيقونية، ساعد في صياغة عرض حي مبني على فكرة ‘يوم الشيطان’ (Demon Day)، وهو عنوان ألبوم الفرقة الثاني، الذي تحقق كانزلاق بين الزمان والمكان، ولد من خلل في مركز خوادم. وعند سؤاله عن العمل مع ديمون ألبارن، المؤسس المشارك لـ’غوريلاز’، قال غالاغر إن موقف كاتب الأغاني دائماً هو: ‘دعنا نفعلها وحسب، نحن نصنع الفن’.

تنتقل هذه الروح إلى أعمال غالاغر الفردية، وإن كان النطاق هنا مختلفاً. ففي ‘ذا بيت’، يصبح المشهد داخلياً. فبدلاً من تجهيزات المسرح أو الرؤوس العملاقة التي يبلغ ارتفاعها 65 قدماً، لا يوجد سوى شاشة أحادية القناة، ومناظر صوتية، وانجراف بطيء نحو الظلام.

Gorillaz Coachella 2023 Photo by Blair Brown 2
غوريلاز، كوتشيلا 2023. تصوير بلير براون.

يعتبر عمل ‘غروب الشمس: ابتهاج قرود البابون’ فنياً بمثابة مقدمة لسلسلة ‘الساعات’ (The Hours)، اللحظة التي تسبق بداية الساعة الأولى من الليل. ويتصور غالاغر في نهاية المطاف المشروع كاملاً كمنشأة متعددة الغرف يتنقل المشاهدون عبرها، مواجهين الظل والضوء، النعومة والاحتكاك. يقول: ‘لا يمكنك الحصول على أحدهما دون الآخر. إذا تم تسوية كل شيء، فلن يكون لديك ما تقارن به أي شيء’.

في الوقت الحالي، هو راضٍ بهذه البداية: سفينة تستعد للمغادرة، أو عقل فنان يبدأ في الانجراف – حتى يتمكن من الرؤية بشكل أوضح.

مقالات ذات صلة