تقاليد الطهي في الجزر: أطباق تُحيي الذاكرة وتُعزز الروابط العائلية
من كعكة 'التورتا' الفلبينية إلى 'الجيرك' الجامايكي: رحلة في عمق التراث الغذائي

تُعد الوصفات المتوارثة عبر الأجيال أكثر من مجرد طعام؛ إنها حكايات تُشكل نسيج المجتمعات وتُعزز الروابط العائلية. وفي موسم الأعياد، حيث تتجلى هذه الروابط بأبهى صورها، نُسلط الضوء على أصول أطباق تقليدية تُعد بعناية فائقة في جزيرتين مختلفتين، الفلبين وجامايكا، لتكشف لنا كيف يُصبح الطعام إرثًا حيًا.
البداية من الفلبين، حيث تأخذنا إليسا هوغ، محررة بمركز سميثسونيان للتراث الشعبي والثقافي، في رحلة مع وصفة كعكة ‘التورتا’ الفلبينية التي اعتادت والدتها إعدادها كل عيد ميلاد. اليوم، أصبحت إليسا هي من يُعد هذه الكعكة خلال الأعياد، لتُشكل لها مناسبة سنوية للاتصال الوثيق بتراثها الفلبيني العريق.
وفي سياق متصل، ننتقل إلى جامايكا، حيث يلتقي الصحفي المستقل والطاهي السابق، فون ستافورد غراي، ليُسلط الضوء على التاريخ الاستعماري لطبق ‘الجيرك’ الشهير، ودلالاته العميقة في الثقافة الجامايكية المعاصرة.
تُشير إليسا هوغ إلى أن ‘التورتا’ تعني أشياء مختلفة في أنحاء العالم، وحتى داخل الفلبين نفسها. لكن بالنسبة لعائلتها، هي كعكة إسفنجية غنية تُعد خصيصًا في عيد الميلاد، وتُشكل جزءًا لا يتجزأ من احتفالاتهم. وكانت هوغ قد كتبت مقالًا لمجلة سميثسونيان حول أهمية الحفاظ على وصفة ‘التورتا’ العائلية الفلبينية، مؤكدةً على دورها في صون الذاكرة والتراث.
وتُضيف هوغ، بلمسة من العفوية، أنها تُفضل إعدادها بنفسها في وقت متأخر من الليل، في عملية تتطلب الكثير من الأواني والمكونات، وتُخلف ‘فوضى كبيرة’ على حد تعبيرها. لكنها تُشدد على أنها ‘مذاق عيد الميلاد’ بالنسبة لها، وغالبًا ما تُقدم كهدية لأفراد عائلتها، لتُصبح بذلك جزءًا من جهدها في تقديم الهدايا.
وتُفسر هوغ هذا الارتباط العضوي، قائلةً إن والدتها كانت تُعدها كل عيد ميلاد خلال طفولتها، وكانت دائمًا حاضرة على مائدة العشاء الفلبيني الكبير الذي يجمع العائلة. وتستذكر كيف تعلمت منها إعدادها، على الرغم من أن العملية ليست معقدة، إلا أنها تستغرق وقتًا طويلًا، خاصةً عند تبطين قوالب البريوش ذات الحواف المتعرجة بورق الزبدة. هذه الذكريات المبكرة، التي شاركت فيها والدتها، هي ما جعل ‘التورتا’ تُشكل بالنسبة لها ‘مذاق عيد الميلاد’ الذي لا غنى عنه.
### التورتا الفلبينية: حكاية كعكة تُعزز الروابط العائلية
تصف إليسا كعكة ‘التورتا’ بأنها مستديرة، ذات حواف متعرجة وقبة علوية، وتتميز بلونها الأصفر الزاهي بفضل استخدام عشرة صفارات بيض في وصفتها. وبعد الخبز، تُزين بالسكر لتُضفي عليها لمعانًا جذابًا. تُعرف الكعكة بكثافتها وغناها، وتُصبح ‘شهية سماوية’ فور خروجها من الفرن، حيث تفوح منها رائحة الفانيليا التي تُشبه رائحة آيس كريم الفانيليا في هيئة كعكة.
وتُشير إليسا إلى وصفة والدتها المطبوعة التي حصلت عليها عند بدء دراستها الجامعية، والتي باتت ‘مُلطخة بالدقيق والزيت’ بفعل الزمن. وتُوضح أن مكونات الكعكة، من سكر وزبدة وكمية كبيرة من صفار البيض وزيت وحليب مبخر، تُفسر سبب إعدادها فقط في عيد الميلاد، نظرًا لغناها الشديد. وتُضيف أن الوصفة تُنتج كمية كبيرة من الكعك، ما يُشير إلى أنها مُعدة لإطعام عدد كبير من الأشخاص، وليس فقط العائلة المباشرة، بل لتقديمها كهدايا أيضًا.
وعن الجانب المجتمعي للكعكة، تروي إليسا قصة سمعتها من عمتها، مفادها أن عائلة فلبينية أخرى كانت تُقدم هذه الكعكة كهدية لعائلتها في عيد الميلاد، وقد أحبتها جدتها كثيرًا وطلبت الوصفة، وهي نفس الوصفة التي تستخدمها إليسا اليوم. وتُتابع أن والدتها كانت تُقدمها لجدتها كهدية سنوية، لأن الجدة ‘لم تكن بحاجة إلى المزيد من الأشياء، بل كانت بحاجة إلى الكعك’. وتُؤكد إليسا أنها لا تُعدها إلا عندما تكون محاطة بالكثير من الأهل والأصدقاء لتقديمها لهم، مُمازحةً بأن تناول الوصفة كاملة بمفردك قد يكون ‘قاتلًا’.
وفي لمسة شخصية مؤثرة، تُشير إليسا إلى أنها ترتدي مريلة مطبخ كانت تخص والدتها، التي كانت تعمل رسامة خرائط. وقد رسم تلاميذ أخيها في الصف الثالث مريلة لوالدتها تحمل أسماءهم وخرائط صغيرة. تُضيف إليسا: ‘عندما أخبز إحدى وصفات أمي، أحب أن أرتدي تلك المريلة لأتقمص روحها قليلًا’. وتُوضح أن والدتها توفيت قبل 15 عامًا، وأن الوصفات التي ورثتها عنها تُشكل جسرًا لربطها بها، خاصة في عيد الميلاد، حيث تشعر بأهمية استمرار روح والدتها داخل العائلة ومن خلال إعداد هذه الوصفات التي كانت عزيزة عليها.
تُؤكد إليسا أن مذاق ‘التورتا’ يُعيد إليها ذكريات والدتها، بل إن هذا الارتباط العاطفي يفوق ارتباطها بعيد الميلاد، وهو ما ‘يُشبع قلبها’ على حد تعبيرها.
وكشفت أبحاث إليسا، التي أجرتها عبر الإنترنت ومن خلال عائلتها، أنها لم تسمع من قبل عن أي شخص آخر، فلبينيًا كان أم لا، يُعد هذه الوصفة. وعلى الرغم من أن والدتها فلبينية بالكامل، إلا أنها أدركت أن ‘التورتا’ ليست منتشرة على نطاق واسع كما كانت تظن. ففي العديد من البلدان الناطقة بالإسبانية، تُشير كلمة ‘تورتا’ إلى شطيرة، وفي بعض أجزاء الفلبين، تُشير غالبًا إلى عجة محشوة باللحم. لكن في جزر فيسايان، موطن جدتها، تُطلق الكلمة على هذه الكعكة تحديدًا، وتُؤكل خلال أي احتفال، مثل عيد الميلاد أو أعياد القديسين. وتُشير إلى أن الوصفات التقليدية كانت تُخمر بنبيذ جوز الهند المخمر (‘توبا’)، وتُكه بنكهة اليانسون بدلًا من الفانيليا، وتُزين بالسكر والجبن أحيانًا، على عكس وصفتها التي تُزين بالسكر فقط.
وعن شعورها بوضع تقاليد عائلتها في سياق أوسع، تُعبر إليسا عن أن هذا الأمر جعلها تُعيد التفكير فيما كانت تعرفه، وتُدرك أن ما اعتبرته تقليدًا عامًا قد يكون مجرد تقليد خاص بعائلتها. وتُضيف: ‘لكن هذا، في رأيي، هو ما يجعله مميزًا حقًا: أنه لا يجب أن يكون تقليدًا على مستوى بلد بأكمله أو منطقة كاملة. يمكن أن يكون تقليدًا خاصًا بعائلتنا فقط، وهذا لا يزال مميزًا للغاية’.
وتُشير إليسا إلى أن جدتها كانت تُقدر كثيرًا استمرارها في إعداد ‘التورتا’ بعد وفاة والدتها، على الرغم من أن الجدة كانت تُعاني من مرض السكري، إلا أن هذه الكعكة كانت هديتها المفضلة. واليوم، تُشارك إليسا هذه الكعكة مع عائلة شريكها غير الفلبينيين، الذين أحبوها أيضًا، ما يُؤكد على قدرة الطعام على تجاوز الحواجز الثقافية.
وعن سبب ارتباطها بتراثها الفلبيني بشكل أعمق في عيد الميلاد، تُوضح إليسا أن هذه الفترة تُشكل لها التقاليد الثقافية الأكثر واقعية وملموسة. ففي عيد الميلاد، كانت عائلتها تُعد الأطعمة الفلبينية المتنوعة، وتُعلق ‘البارول’ الفلبيني، وهو فانوس على شكل نجمة، في النافذة، وهو تقليد فلبيني شائع في الولايات المتحدة خلال هذه الفترة.
وتُعبر إليسا عن شعورها بمسؤولية كبيرة كونها أصبحت صانعة ‘التورتا’ في العائلة، وتُقر بأنها تخشى أن تُفسد الوصفة أو تنسى التفاصيل الدقيقة التي علمتها إياها والدتها، مُعترفةً بأنها ربما تكون قد نسيت بعضها بالفعل.
وفي اقتباس لافت من مقالها، تُوضح إليسا أن ‘التقاليد تتغير وتنمو، وتُقتلع وتُعاد جذورها على المستوى الكلي للأمم وصولًا إلى المستوى الجزئي للعائلات. وهذا لا يجعلها أقل قيمة أو معنى، بل يجعلها ملكنا’. وتُفسر هذا القول بأنها كانت تُكسر بذلك العديد من المفاهيم الخاطئة لديها، بأن التقاليد يجب أن تكون قديمة ومُقننة ومنتشرة لتُعتبر تقليدًا. وتُضيف: ‘ما بدأت أتعلمه هو أن هذا ليس صحيحًا على الإطلاق، فالتقاليد حية، ولكي تكون حية، يجب أن تتطور وتتغير وتتكيف مع الأوقات والأماكن المختلفة، مع تحرك المجتمعات أو العائلات أو نزوحها أو تفاعلها مع تغير المناخ أو الحرب. لا يجب أن تكون أمورًا سلبية، ولكن نعم، كما انتقل أجدادي إلى الولايات المتحدة لمحاولة بدء حياة أفضل. لكن التقاليد يمكن أن تبدأ من جديد أيضًا’.
### الجيرك الجامايكي: نكهة الحرية وتحديات الصمود
بعد جولة في مطبخ إليسا، نُحلق نحو منطقة الكاريبي، وتحديدًا إلى كينغستون، جامايكا، حيث يُقيم الصحفي الجامايكي وناشر المجلات، فون ستافورد غراي، الذي يُعد أيضًا خريجًا من مدرسة الطهي. يُشير غراي إلى أنه يتحدث من منزله بعد أسابيع قليلة من إعصار ‘ميليسا’ المدمر. وكان غراي قد كتب مقالًا لمجلة سميثسونيان حول تاريخ وأهمية ‘الجيرك’ الجامايكي.
وفي ظل اقتراب الأعياد، يُقر غراي بأن هذا العام ليس عاديًا للجامايكيين، حيث ضرب إعصار ‘ميليسا’ الجزيرة في نهاية أكتوبر، ولا تزال جهود التعافي جارية. ويُوضح أن تصور التعافي أمر صعب، خاصة فيما يتعلق برعاية كبار السن والأطفال والأسر التي تُعاني من الفقر. ويُضيف أن الإعصار دمر ما يُعرف بـ ‘سلة خبز’ جامايكا، وهي أبرشية سانت إليزابيث التي تُوفر غالبية المنتجات الزراعية للبلاد، ما أثر على احتفالات الأعياد، حيث أصبحت المنتجات المتاحة باهظة الثمن أو غير متوفرة بالمرة.
وعلى الرغم من الظروف، يُؤكد غراي على مرونة الجامايكيين وقدرتهم على ‘صنع الاحتفال من لا شيء’، مُشيرًا إلى أنهم دائمًا ما يجدون شيئًا ليكونوا شاكرين عليه، ولديهم ما يكفي للمشاركة. ويُوضح أنه ووالدته سيستضيفان عمته وابن عمه وزوجته، كعادتهما كل عام، وذلك بعد وفاة والده قبل ثلاث سنوات. ويُخطط لإعداد لازانيا ذيل الثور ودجاج مشوي، بالإضافة إلى لحم خنزير مُعالج ذاتيًا، وبطاطس، وأرز مع البازلاء، وسلطة خضراء، وربما حمص بالكاري. ويُعرب عن امتنانهم لوجود هذه الأطباق للاحتفال بعيد ميلاد ذي معنى عميق، خاصة وأن هذا العام ‘سيكون تاريخيًا’ لكل من تضرر من الإعصار.
وعن الحلوى، يُشير غراي إلى أنهم سيُعدون ‘كعكة عيد الميلاد’، أو ‘الكعكة السوداء’، وهي نسخة كارييبية من بودنغ البرقوق، جلبتها حقبة الاستعمار إلى المنطقة. وتُوضح أن كل جزيرة لها نسختها الخاصة من هذه الكعكة، حيث كان العبيد يُجبرون على استخدام المكونات المتاحة في المزارع لإعدادها لسادتهم. وتتضمن وصفة والدته البرقوق المجفف، والزبيب، والكشمش، والكثير من نبيذ البورت، والنبيذ الأبيض، والبيرة الداكنة، لتُصبح كعكة غنية جدًا تُطهى بالبخار، وتتحسن نكهتها مع مرور الوقت. ويُضيف أنها كعكته المفضلة، ولن تصمد ثلاثة أشهر كما يفعل البعض.
ويُعرب غراي عن حبه الشديد لعيد الميلاد، ليس فقط لجانبه العاطفي، بل لكونه شغوفًا بالطعام منذ صغره. ويُوضح أنه التحق بمدرسة الطهي ليس ليُصبح طاهيًا، بل ليُحقق حلمه بأن يُصبح رئيس تحرير مجلة لايف ستايل. ويُشدد على أن الطعام يُشكل ‘وعاءً مهمًا’ وواحدًا من الأجزاء القليلة في كل ثقافة التي يمكن توريثها للأجيال القادمة دون أن تكون ‘ثمينة جدًا’ بمعنى أنه يمكن للأجيال أن تُضيف لمستها الخاصة عليها. ويُختتم قائلًا: ‘إنه أحد تلك الموروثات الحية التي نملكها’.
وعن طبق ‘الجيرك’ الجامايكي، يُوضح غراي أنه ليس مجرد مزيج من التوابل، بل هو عملية طهي كاملة. ويُشير إلى أن الكثيرين يعتقدون أنهم تذوقوا ‘الجيرك’ الجامايكي بمجرد شرائهم لمزيج توابل جاهز، لكن الطريقة الحقيقية تتضمن استخدام مزيج جاف وآخر رطب، حيث يُعد المعجون الرطب هو الأساس. وتتكون توابل ‘الجيرك’ الرئيسية من الفلفل الإفرنجي (البهار الحلو)، وفلفل سكوتش بونيه الحار، والبصل الأخضر، والزنجبيل، والزعتر. ويُشدد غراي على أنه ناضل طويلًا لتقنين تعريف ‘الجيرك’، وأن الحكومة الجامايكية تسعى لضمان أن يُطلق اسم ‘الجيرك الجامايكي’ فقط على ما يُعد بالطريقة التقليدية، تمامًا كما هو الحال مع الشمبانيا.
وتتمثل هذه الطريقة التقليدية في تدخين اللحم باستخدام خشب وأوراق الفلفل الإفرنجي. تاريخيًا، يُنسب اختراع ‘الجيرك’ إلى ‘المارون’ (Maroon)، وهم العبيد السابقون الذين فروا من المزارع ولجأوا إلى الجبال التي لم يتمكن البريطانيون من عبورها. ولتوفير الغذاء لأنفسهم، كانوا يصطادون الخنازير البرية. ثم علّمهم شعب ‘التاينو’ (Taino) الأصليون كيفية استخدام الشجيرات المحيطة لمعالجة اللحم. وهكذا، تطورت الفلفل الحار ‘بيردز آي’ و’الفلفل الأكبر’ إلى فلفل ‘سكوتش بونيه’ الحالي. وكانوا يُتبلون اللحم ثم يدفنونه ويُدخنونه في الأرض، لتجنب تصاعد الدخان الذي قد يكشف مواقعهم للقوات البريطانية.
وبعد مئات السنين، لا تزال مراكز ‘الجيرك’ الحقيقية، وهي المطاعم المتخصصة في تقديمه، تُطبق الطريقة التقليدية باستخدام خشب وأوراق الفلفل الإفرنجي. لكن يُوجد تحدٍ يتعلق بتوفر خشب الفلفل الإفرنجي للأجيال القادمة، حيث كادت الجزيرة أن تُعاني من نقص حاد فيه قبل سنوات. إلا أن الحكومة تدخلت، ووضعت خطة لضمان استدامته.
وعن ارتباط ‘الجيرك’ بأعياد الشتاء، يُعيد غراي الأمر إلى والده المحب، الذي كان أفضل طباخ في العائلة، والذي تعلم منه غراي الطهي بمجرد المراقبة. ويُوضح أنه بينما يستخدم هو الفرن أو المقلاة الهوائية لإعداد ‘الجيرك’ في المنزل، كان والده يمتلك ‘منظومة جيرك’ كاملة في الفناء الخلفي لمنزله، تتكون من برميل زيت مقطوع طوليًا ومُجهز بمفصلات ليُصبح مدخنة. ويُشير إلى أن والده كان دائمًا يُعد ‘الجيرك’ للدجاج في المناسبات المختلفة، بما في ذلك جنازات الأقارب، أو حتى في عيد ميلاده الخامس والعشرين، حيث أعد 100 رطل من الدجاج بنفسه دون مساعدة، ‘كان في عنصره’ على حد تعبيره.
ويُضيف غراي أن والده، على الرغم من أنه لم يكن رجلًا مُتدينًا، كان ينظر إلى عيد الميلاد بقدسية كبيرة، مُركزًا على الهدف من أسبوع عيد الميلاد وما يُمكن أن يُحققه. ويتذكر كيف كان والده، بمجرد حصوله على راتبه في نوفمبر، يبدأ في شراء ‘المواد الخاصة’ مثل المشروبات الغازية الفاخرة وكعك الشورت بريد الجيد. وعندما يتعلق الأمر بإعداد عشاء العيد، كان يبدأ في الرابعة صباحًا، مُؤكدًا أن الطعام يُقدم ‘عندما ينضج’، وليس في وقت محدد. ومنذ وفاة والده، بات غراي يُكن احترامًا أكبر للعيد، ويُحاول تكريمه من خلال تطبيق ما علمه إياه والتركيز على أطباقه المفضلة.
وعن محاولاته لمضاهاة وصفة والده في إعداد ‘الجيرك’، يُقر غراي بصراحة: ‘لا أستطيع. كانت معركة خاسرة قبل أن أبدأ’. ويُروي كيف تحدى والده ذات عام، قائلًا: ‘أستطيع أن أصنع دجاج جيرك أفضل’، فرد عليه والده بـ ‘حسنًا’. ويُضيف أنه خسر التحدي ‘بشكل مجيد’ أمام حكم والدته وعمته. واكتشف لاحقًا أن سر صلصة والده، التي تُقدم مع ‘الجيرك’، كان إضافة عصير البرتقال المعلب، وليس الأناناس الذي استخدمه هو ظنًا منه أنه أكثر ‘فخامة’. ويُشير إلى أن ملعقة صغيرة من مركز ‘مينيت ميد’ المجمد كانت كفيلة بإحداث الفارق.
ويُؤكد غراي موافقته التامة على الحكم، مُشيرًا إلى أن تلك الإضافة الصغيرة من عصير البرتقال ‘أطلقت العنان لقنبلة النكهة’ في دجاج ‘الجيرك’. فبينما يحتوي تتبيلة ‘الجيرك’ على عصير الليمون، فإن قليلًا من عصير البرتقال في الصلصة ‘رفعها إلى مستوى آخر’. ويُعترف بأنه لا يزال لا يستطيع مضاهاة طريقة والده في إعدادها، حيث لم يكن والده يستخدم وصفة محددة، بل كان يعتمد على ‘العين المجردة’ في كل شيء، وعلى الرغم من كونه مهندسًا، كان بارعًا في ذلك، وكان مذاق طبقه هو نفسه في كل مرة. في المقابل، يُقر غراي بأن طبقه يختلف مذاقه قليلًا في كل مرة يُعده فيها.
وعن الجهد المبذول في إعداد ‘الجيرك’، يُوضح غراي أنه مكثف إذا كنت تُدير مطعمًا، أما في المنزل فهو ‘لعبة انتظار’. ويُشدد على أن التتبيل يجب أن يستمر لمدة 48 ساعة، وهي الطريقة الصحيحة. وعن التدخين، يُشير إلى أن الطهي في الفرن جيد، لكنه يُفضل وضع رقائق خشب المسكيت المنقوعة في صينية ألومنيوم في قاع الفرن لتحويله إلى نظام تدخين صغير. ويُضيف: ‘هذه طريقتي في القيام بذلك لأنني لا أمتلك القدرة على فعل ما فعله والدي بالفحم وبرميل الزيت وكل تلك العملية المعقدة’.
وعن مكانة ‘الجيرك’ في جامايكا، يُؤكد غراي أنه ‘طعام يومي’، فبعد أن كان وجبة شارع تُؤكل في ليالي الجمعة والسبت، أصبح الآن حجر الزاوية في قائمة مطاعم الوجبات السريعة مثل ‘آيلاند غريل’. ويُضيف أن كل مطعم تقريبًا يُقدم ‘الجيرك’ ليلة الجمعة، وإذا لم يكن موجودًا، يُقال إن المطعم ‘غير جاهز للخدمة’. ويُشدد على أنه ‘طعام الشعب’ الذي يُحمى بشراسة. ويُحذر من محاولات الطهاة الآخرين ‘الاستفادة واستعمار’ ‘الجيرك’ باستخدام مكونات غير أساسية مثل الهالبينو أو الكزبرة، مُؤكدًا أن ‘هذا ليس جيرك’، وأنه لا يمكن الابتعاد عن المكونات الأساسية لأن النتيجة لن تُشبه ‘الجيرك’ الأصلي.
ويصف غراي مذاق ‘الجيرك’ بأنه يُشبه ‘أفضل شواء تذوقته على الإطلاق، مع الكثير من البهار الحلو’. ويُضيف أن حرارة فلفل ‘سكوتش بونيه’ اللطيفة تُثير شعورًا باللذة عند اللقمة الأولى، ثم تبدأ الحرارة في التصاعد تدريجيًا، لكنها ليست حرارة تُثير الرغبة في التوقف عن الأكل، بل إنها ‘تُعيدك’ وتجعلك لا تتوقف عن التهام المزيد.
وفي لفتة إنسانية، يُؤكد غراي أن ‘المائدة دائمًا تتسع لضيف آخر’. ويُروي كيف دعا والده ذات مرة جيرانهم الذين كانوا يمرون بظروف صعبة، ولم يكن لديهم احتفال عيد ميلاد كاحتفالهم. قال والده بهدوء: ‘يا رفاق، يجب أن تأتوا’. وعندما ذكروا أن لديهم عائلة تزورهم من الريف، أجاب: ‘أحضروهم’. وعلى الرغم من العدد الإضافي، كان لديهم أكثر من كافٍ من الطعام. ويُضيف غراي: ‘أعتقد أن هذا أحد استعارات عيد الميلاد الجامايكي. حتى الآن، ونحن نعيش في ظلال إعصار ميليسا، سيكون لدينا دائمًا مكان على مائدتنا للعديد من الآخرين’.
وفي مقال غراي، يُقتبس عن الشيف غابرييل فيرغسون قوله: ‘الجيرك هو الحرية المتجسدة في الطعام’. ويُوضح غراي كيف يمكن للحرية أن تتجسد في الطعام، مُشيرًا إلى فظائع العبودية، وكيف أن قدرة العبيد على ابتكار بعض من أفضل الوصفات في العالم جاءت من الضرورة، لا من رفاهية مطاعم ‘ميشلان’ أو وصفات ‘إسكوفييه’. بل جاءت من صراعات المجتمعات والأشخاص الذين مروا بتاريخ من المشقة. ويُضيف: ‘يمكنك أن تنظر إلى الجيرك نفسه، لدينا أشخاص رفضوا نظامًا، ومن ذلك، خلقوا رزقًا. لم يكن ذلك مجرد رزق، بل شيء أصبح إرثًا. ومرة أخرى، لولا تلك الحرية، لما كان لدينا الجيرك اليوم’.
وعن مدى معرفة الناس بتاريخ ‘الجيرك’، يُقدر غراي أن 98% من الناس، بمن فيهم الجامايكيون أنفسهم، لا يعرفون الكثير عنه. ويُوضح أن فكرة فهم أصول طعامهم لم تُنقل إلى الكثيرين بسبب سهولة توفر السوبر ماركت والمطاعم. لكن فيما يتعلق بـ ‘الجيرك’، يعرف معظم الناس عن ‘المارون’، لكنهم يجهلون دور ‘التاينو’ الأصليين، الذين بدونهم ‘لما كان هناك جيرك’. ويُشدد على أهمية فهم كيف التقت ثقافتان في جبال جامايكا، وتوحدتا، دون لغة مشتركة أو معرفة سابقة، على أساس وجود عدو مشترك، وتوطدت روابطهما من خلال الحرية والطعام.
وعن سوء فهم ‘الجيرك’ خارج جامايكا، يُجيب غراي بـ ‘نعم مدوية’، مُشيرًا إلى أن العديد من الطهاة والمطاعم والعلامات التجارية تُحاول الاستفادة من ‘الجيرك’ الجامايكي. ويُضيف أن الكثيرين يعتقدون أنهم تذوقوا ‘الجيرك’ حتى يأتوا إلى جامايكا، سواء في منتجع أو مطعم محلي، وعندما يتذوقونه، تحدث لهم ‘تحول دمشقي’ على حد تعبيره، ويتساءلون: ‘ماذا كانوا يُقدمون لي؟’. ويُوضح أن الكثيرين يعتقدون أن ‘الجيرك’ مجرد طعام حار. ويُذكر، على سبيل المثال، الشيف جيمي أوليفر وأرز ‘الجيرك’ سريع التحضير الذي يُمكن تسخينه في الميكروويف، مُعلقًا بسخرية: ‘تجديف!’. ويُضيف أن حساء ‘كامبلز’ قدمت حساء ‘جيرك’، مُتسائلًا: ‘لا، لا يمكنك أن تُعد حساء جيرك. ما الذي يحدث؟’. ويُختتم بالقول إن الكثيرين يُطلقون الاسم فقط لبيع المنتج.
وعن ما إذا كان تحول ‘الجيرك’ إلى جزء من المطبخ اليومي قد غير دوره خلال الأعياد، يُؤكد غراي أن ‘هناك دائمًا مكانًا للجيرك على المائدة’. ويُوضح أنه يمكن تناوله كل يوم دون ملل، خاصة إذا ذهبت إلى مطعمك المفضل أو مركز ‘الجيرك’ المفضل لديك، حيث تُقدر المهارة والجهد المكثف الذي يدخل في صنع ‘الجيرك’ الجامايكي ‘الحقيقي’. لذلك، خلال الأعياد، تتخذ خطوات إضافية، فلا تكتفي بتتبيل سريع، بل تتركه في الثلاجة لمدة يومين، أو تُعد تتبيلتك الخاصة، أو تشتري إحدى العلامات التجارية الجيدة المتوفرة. وتُخصص وقتًا لعملية الشواء البطيئة. لذا، فهو دائمًا مميز في الأعياد، على الرغم من أنه شيء يمكنك تناوله كل يوم.
وفي ختام حديثه، يُجيب غراي عن سبب كون الطعام وسيلة قوية للربط بين الناس عبر الأجيال، قائلًا: ‘يمكنك أن تنظر إلى الطعام كشجرة عائلة، لأن كل شخص على تلك المائدة سيتذكر هذا الطبق الذي أعده شخص آخر رحل’. ويُضيف أنه بغض النظر عما نمر به في حياتنا، يمكننا، لتلك الساعات القليلة، أن نتواصل من خلال تلك الذاكرة. وفي الأعياد، لأننا نقضي المزيد من الوقت والمال الإضافي، حتى لو لم يكن إضافيًا حقًا، فإننا نبذل جهدًا إضافيًا لإقامة هذا الاحتفال. ‘أعتقد أننا نفعل ذلك لأننا مدينون لأسلافنا الذين ربما لم يكن لديهم الكثير للاحتفال به. لدينا الآن، ونحن مدينون لهم بالعمل الذي بذلوه لنُظهر أننا لا نُكرمهم فحسب، بل نتمسك بتلك التقاليد، وأننا نعمل على نقلها’.









