عرب وعالم

كييف في الظلام: هجمات روسية تستهدف شريان الحياة وتختبر صمود المدينة

هجمات متواصلة على البنية التحتية للطاقة والمياه في العاصمة الأوكرانية تدفعها نحو أزمة إنسانية وتستدعي استجابة أوروبية عاجلة.

كييف تواجه شتاءً قاسياً: هجمات روسية تستهدف الخدمات الأساسية

تركز الهجوم الروسي الأخير على الضفة اليسرى لنهر دنيبر، مستهدفًا مناطق مثل دنيبروفسكي، حيث تسببت الانفجارات في أضرار بالغة لمنشآت غير سكنية حيوية لتوزيع الطاقة والمياه. أفاد عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، بحدوث انقطاعات واسعة النطاق في الإمدادات، صاحبها اندلاع حرائق في مركبات ومستودعات، مؤكداً إصابة شخص واحد على الأقل في المنطقة المتضررة.

يؤدي الانقطاع المتزامن للكهرباء والمياه إلى تأثير فوري على تفاصيل الحياة اليومية؛ فالمباني تفقد التدفئة المركزية، وتتوقف المصاعد عن العمل، وتُجبر المحلات التجارية على الإغلاق، بينما يصطف السكان حاملين أوعية المياه في نقاط التوزيع الطارئة. في العديد من المجمعات السكنية، تتوقف مضخات المياه عن العمل بدءًا من الطابق الثالث، مما يحول كل انقطاع للتيار إلى سباق محموم لملء أحواض الاستحمام والدلاء قبل اختفاء ضغط المياه.

يزداد الوضع حساسية في مستشفيات الضفة اليسرى، التي تعتمد بشكل كلي على مولدات الديزل لضمان استمرارية عمل وحدات العناية المركزة وغرف العمليات. يدفع كل هجوم إلى استهلاك المزيد من الوقود الاحتياطي، مما يعجل بخطر النقص في الإمدادات، خاصة في ظل الضغط المستمر على سلاسل الإمداد اللوجستية. النتيجة واضحة: كل يوم من الانقطاعات يضعف قدرة المدينة على الصمود شيئًا فشيئًا.

بروتوكول الحرب الجديد: انقطاعات انتقائية للمياه والكهرباء وإغلاق المدارس

للحد من الأضرار وتحقيق استقرار الشبكة، فعلت بلدية كييف بروتوكول طوارئ يتضمن انقطاعات مبرمجة للتيار الكهربائي حسب الأحياء، وإغلاق المدارس لعدة أسابيع. قررت السلطات المحلية الإبقاء على الإضاءة العامة بنسبة 20% فقط من طاقتها، مع إعطاء الأولوية للتقاطعات الحيوية ومداخل المستشفيات ومحطات المترو، بينما تغرق بقية المدينة في الظلام الدامس ليلاً.

تهدف هذه الاستراتيجية إلى تجنب انقطاع تام للتيار وتوزيع الأثر على مختلف المناطق. لكنها تحمل تكلفة اجتماعية باهظة؛ فالعائلات التي لديها أطفال تشهد توقف التعليم مرة أخرى، ليس بسبب الاشتباكات المباشرة هذه المرة، بل لعدم القدرة على توفير فصول دراسية دافئة وآمنة بالحد الأدنى. تحاول العديد من المدارس التحول إلى “نقاط صمود”، لتقديم المأوى والطعام الساخن والاتصال بالإنترنت عند توفر الكهرباء، لكنها لا تستطيع العمل بكامل طاقتها.

بالتوازي مع ذلك، تُعدّل المتاجر والورش والشركات الصغيرة ساعات عملها لتقتصر على الفترات التي يتوفر فيها الإمداد بالكهرباء. ومع حلول الليل، تغرق مناطق واسعة من كييف في عتمة مقلقة. يلخص أحد رجال الأعمال المحليين الوضع قائلاً: “المدينة تبدو مختلفة، صامتة وهشة”. فما كان في السابق حاضرة نابضة بالحياة تحول إلى مدينة تقيس كل كيلووات مستهلك وكأنه ذهب.

الجبهة الخفية للحرب: الطاقة والمياه أسلحة تدمير

تأتي الهجمات على كييف ضمن حملة موسكو المستمرة ضد البنية التحتية للطاقة الأوكرانية. خلال الأشهر الأخيرة، تكرر هذا النمط: موجات من الطائرات المسيرة الانتحارية وصواريخ كروز تستهدف المحطات الفرعية، وخزانات المياه، ومحطات الطاقة الحرارية. في أحد الهجمات الواسعة النطاق أواخر نوفمبر، أطلقت روسيا ما يقرب من 600 طائرة مسيرة من طراز “شاهد” وأكثر من 30 صاروخاً على البلاد، وهو حجم مصمم لإرباك الدفاعات الجوية.

لا يقتصر الهدف على الجانب العسكري فحسب. فباستهداف شبكة الكهرباء والمياه، يسعى الكرملين إلى كسر معنويات السكان المدنيين، ورفع تكلفة إعادة الإعمار، وإجبار الحكومة الأوكرانية على تخصيص مليارات اليورو لإصلاح ما دمر، بدلاً من استثمارها في التنمية أو القدرات العسكرية. كل محول مدمر، وكل محطة ضخ متضررة، يعني شهوراً من العمل ومعدات يجب استيرادها في كثير من الحالات.

الأخطر أن حرب الاستنزاف هذه تُشن ضد بنى تحتية مصممة للاستخدام المدني المكثف، وليست مهيأة لتحمل الانفجارات المتكررة. يتحدث المهندسون الأوكرانيون بالفعل عن “إرهاق هيكلي” لأجزاء من الشبكة، التي تُجبر على العمل بحلول مؤقتة وتحويلات طارئة. يكشف هذا الواقع أن معركة الطاقة، بعيداً عن خطوط الجبهة، أصبحت اليوم إحدى الجبهات الحاسمة في الصراع.

شتاء كييف: حياة مرهونة بالمولدات الكهربائية

لا تعد انقطاعات المياه والكهرباء مجرد حوادث منفصلة. ففي أوائل يناير، تسبب هجوم واسع النطاق آخر في قطع إمدادات المياه عن منطقة بيتشيرسك بأكملها ومعظم الضفة اليسرى لكييف، بعد تضرر شبكة الكهرباء التي تغذي محطات الضخ. وبعد أيام قليلة، تحدثت السلطات عن حوالي نصف مليون أسرة بدون كهرباء في العاصمة ومحيطها، إثر ضربات جديدة استهدفت البنية التحتية.

في هذا السياق، أصبحت المولدات الكهربائية جزءاً محورياً من الحياة الحضرية. فالمراكز التجارية الكبرى والمباني المكتبية مزودة بمعدات قادرة على تشغيل المصاعد والإضاءة الأساسية وأنظمة الأمن. لكن الوضع يختلف في المجمعات السكنية العادية؛ حيث تعتمد العديد من التجمعات السكنية على مولدات صغيرة مشتركة لتشغيل الغلايات أو مضخات المياه لبضع ساعات يومياً.

يظهر التباين مع فصول الشتاء السابقة بشكل مدمر. قبل الحرب، كانت انقطاعات الكهرباء في كييف مشكلة عارضة، مرتبطة بعواصف موسمية أو أعمال صيانة. أما اليوم، فتخطط المدينة بناءً على عدد الساعات التي يمكن أن تتوفر فيها التدفئة أو الإنترنت، وليس العكس. تتكيف الحياة اليومية مع جدول زمني تمليه الانقطاعات: الاستيقاظ مبكراً للاستفادة من فترة توفر الكهرباء، الطهي المسبق، شحن البطاريات، وتخزين الوقود.

مدارس ومستشفيات ومتاجر: صراع البقاء في كييف

الخدمات العامة هي أول من يشعر بالتأثير المنهجي لهذه الهجمات. فمع إغلاق المدارس بشكل وقائي، اضطر أكثر من 200 ألف طالب في العاصمة للعودة مؤقتاً إلى التعليم عن بعد أو النماذج الهجينة، والتي تتأثر بشدة بتوفر الاتصال والأجهزة. تشكل هذه الديناميكية عبئاً اقتصادياً ونفسياً جديداً على العديد من الأسر.

في المستشفيات، تتركز الأولوية على إبقاء غرف العمليات ووحدات العناية المركزة والمختبرات قيد التشغيل. تسمح المولدات بالحفاظ على هذه الخدمات، لكنها تفرض ترشيداً على بقية الأقسام: تُطفأ الإضاءة غير الضرورية، وتُغلق أجنحة كاملة، وتُؤجل العمليات غير العاجلة. يتحدث أطباء استطلعتهم وسائل إعلام محلية عن زيادات تصل إلى 30% في أوقات الانتظار لبعض الفحوصات التشخيصية خلال أسابيع ذروة التوتر في إمدادات الطاقة.

النسيج الاقتصادي أيضاً لم يسلم من التداعيات. اضطرت المتاجر الصغيرة والمقاهي والورش إلى الاستثمار في المولدات، وخزانات الوقود، وأنظمة دفع بديلة للتمكن من العمل دون إنترنت. يقر العديد من أصحاب الأعمال بانخفاض في الإيرادات يتجاوز 25% خلال أيام الانقطاعات الطويلة. يعترف صاحب مطعم في وسط المدينة قائلاً: “نحن نعيش، لكن دون القدرة على التخطيط”. تحولت كييف إلى اقتصاد حضري يعيش يوماً بيوم، معلقاً على كل إنذار جوي.

صمود مدني في وجه حملة استنزاف

رغم قسوة الهجمات، تُظهر الاستجابة الاجتماعية مستوى ملحوظاً من التنظيم. فكل حلقة جديدة من انقطاعات التيار تُفعّل شبكة من “نقاط الدفء”، وهي مساحات بلدية أو خاصة توفر الكهرباء والإنترنت اللاسلكي والمشروبات الساخنة. وفي الأحياء الأكثر تضرراً، يتنسق الجيران عبر مجموعات الدردشة لتبادل المقابس الكهربائية، وأسطوانات الغاز، وتوفير وسائل النقل لكبار السن أو ذوي القدرة المحدودة على الحركة.

ما كان يمكن أن يتحول إلى فوضى عارمة، يتحول في كثير من الحالات إلى ممارسة للمقاومة الجماعية. تصف الشهادات التي جمعتها وسائل الإعلام الأوكرانية جيراناً يقيمون مطابخ مجتمعية مؤقتة في مواقف السيارات، ومجتمعات سكنية تشتري مولدات كهربائية بالاشتراك بين عدة عائلات، ومتطوعين يجوبون السلالم المظلمة للتأكد من سلامة كبار السن الذين يعيشون بمفردهم. التشخيص لا لبس فيه: المجتمع المدني يمتص جزءاً من تأثير حرب صُممت لكسره.

لكن هذا الصمود له حدوده. فكل انقطاع طويل للتيار يستنزف مدخرات الأسر، التي تضطر لتحمل تكلفة الوقود، والبطاريات الإضافية، أو المعدات الكهربائية الصغيرة. على المدى المتوسط، يكمن الخطر في أن يتحول الإرهاق الاجتماعي إلى ضغط أكبر على السلطات المحلية والوطنية، التي تُجبر على إدارة أزمة لا تتوقف بموارد محدودة.

دور أوروبا: إعادة الإعمار، دعم الطاقة، والضغط الدبلوماسي

ما يحدث في كييف ليس مجرد مأساة محلية. فبالنسبة للاتحاد الأوروبي، تفرض الحرب ضد البنية التحتية الأوكرانية تحديات اقتصادية وسياسية من الدرجة الأولى. من جهة، تتطلب تخصيص مليارات إضافية لإعادة بناء شبكات الكهرباء، ومحطات التوليد، وأنظمة المياه والصرف الصحي. ومن جهة أخرى، تُجبر على تعزيز إمدادات المعدات الحيوية: المحولات، المولدات عالية القدرة، أنظمة التحكم، والأمن السيبراني.

أطلقت بروكسل وعدة دول أعضاء حزم مساعدات طاقة محددة، شملت إرسال مئات المولدات الصناعية والمشاركة في تمويل مشاريع الإصلاح العاجلة. لكن المرحلة التالية مطروحة بالفعل: خطة إعادة إعمار هيكلية قد تحشد أكثر من 10 مليارات يورو في قطاع الطاقة وحده خلال السنوات القادمة، وفقاً لتقديرات أولية لخبراء أوروبيين.

في الوقت نفسه، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى زيادة الضغط الدبلوماسي على موسكو بسبب الاستخدام المنهجي للهجمات ضد البنى التحتية المدنية، والتي تعتبرها المنظمات الدولية أكثر صعوبة في تبريرها بموجب القانون الإنساني الدولي. لخص مسؤول أوروبي رفيع المستوى مؤخراً الوضع قائلاً: “الأمر لا يتعلق فقط بالكابلات والأنابيب، بل بمحاولة متعمدة لحرمان السكان من وسائل العيش الأساسية”. لم يعد النقاش حول ما إذا كان يجب دعم أوكرانيا، بل كيف يمكن القيام بذلك بالسرعة الكافية لضمان عدم انهيار الشبكة قبل التمكن من إعادة بنائها.

مقالات ذات صلة