عرب وعالم

واشنطن تعتقل مادورو في ضربة مفاجئة: فنزويلا على مفترق طرق جيوسياسي

تصعيد عسكري أمريكي غير مسبوق في كاراكاس يثير جدلاً عالمياً حول النفط والسيادة ويضع بريطانيا في مأزق دبلوماسي.

تشهد الساحة الدولية حالياً تصدعاً جيوسياسياً عميقاً إثر تصعيد مفاجئ في فنزويلا، لم يقتصر تأثيره على كاراكاس فحسب، بل أعاد تشكيل النقاش في لندن وخارجها حول أمن الموارد، والسيادة، وطبيعة التدخلات الأجنبية في القرن الحادي والعشرين.

ففي الساعات الأولى من يوم 3 يناير 2026، دوّت انفجارات قوية متعددة وأصوات طائرات في سماء العاصمة الفنزويلية كاراكاس ومناطق أخرى. تلا ذلك تقارير عن ضربة أمريكية واسعة النطاق أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وفقاً لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

هذا التحرك غير المسبوق، الذي يعد التدخل العسكري الأمريكي الأكثر مباشرة في أمريكا اللاتينية منذ غزو بنما عام 1989، جدد الجدل المحتدم حول ما إذا كانت دوافع واشنطن استراتيجية بالدرجة الأولى، بما في ذلك السيطرة على احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة. ويضع هذا التطور حلفاء مثل المملكة المتحدة تحت ضغط لتوضيح موقفهم.

قبيل الساعة الثانية صباحاً بالتوقيت المحلي يوم السبت، أفاد سكان وصحفيون في كاراكاس بسماع ما لا يقل عن سبعة انفجارات قوية مصحوبة بتحليق طائرات على ارتفاع منخفض. تبع ذلك انقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي في الأجزاء الجنوبية من المدينة بالقرب من القواعد العسكرية الرئيسية، وشهدت المرافق الصحية والمناطق المدنية تعطلاً في الخدمات وسط حالة من الفوضى.

من جانبه، أكد الرئيس ترامب عبر منصته على وسائل التواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة نفذت “ضربة واسعة النطاق” ناجحة في فنزويلا، تمكنت خلالها من اعتقال مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد. وزعم ترامب أن العملية جرى تنسيقها مع أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية بهدف تقديم مادورو للعدالة بتهم جنائية.

بيد أن تفاصيل التفويض القانوني، والتشاور مع الكونغرس، والطبيعة الدقيقة لتلك التهم لا تزال غير واضحة. وقد استشهد مسؤولون أمريكيون بمزاعم تفيد بأن مادورو يدير “دولة مخدرات”، وهو ادعاء نفته كاراكاس بشدة.

في المقابل، أدانت الحكومة الفنزويلية هذا التوغل باعتباره انتهاكاً صارخاً للسيادة، متهمة واشنطن بـ “العدوان العسكري” ودعت المواطنين إلى مقاومة ما وصفته بـ “الاعتداء الإمبريالي”. وأعلنت كاراكاس حالة الطوارئ الوطنية وحشدت قوات الدفاع.

لم تصدر الحكومة البريطانية بعد رداً رسمياً مفصلاً، لكن الضغوط تتزايد في وستمنستر للمطالبة بموقف واضح، وسط مخاوف بشأن شرعية هذا العمل بموجب القانون الدولي وتداعياته الاستراتيجية الأوسع على أسواق النفط العالمية.

يقع في صميم الجدل الدائر حول التحرك الأمريكي مكانة فنزويلا كقوة نفطية عملاقة. فالدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية تمتلك أكبر احتياطيات نفط خام مؤكدة في العالم، بنحو 303 مليارات برميل من النفط الخام القابل للاستخراج، وهو ما يمثل حوالي 17-20% من الاحتياطيات العالمية، وتتركز هذه الاحتياطيات بشكل كبير في حزام أورينوكو.

ورغم هذه الإمكانات الهائلة، تراجع إنتاج فنزويلا من النفط بشكل حاد على مدى أكثر من عقد، نتيجة للاضطرابات السياسية، وسوء الإدارة في شركة النفط الحكومية “بتروليوس دي فنزويلا إس إيه” (PDVSA)، والعقوبات الدولية طويلة الأمد. فبعد أن تجاوز الإنتاج عدة ملايين برميل يومياً في أوائل الألفية الثالثة، انخفض إلى أقل من مليون برميل يومياً قبل التقلبات الأخيرة، مما حد من تأثير فنزويلا الحالي على الإمدادات العالمية اليومية من الخام، على الرغم من حجم احتياطياتها النظرية.

تتكون هذه الاحتياطيات في غالبها من النفط الخام الثقيل والثقيل جداً، والذي يتطلب قدرات تكرير متخصصة. وغالباً ما يتم تداول هذه الأنواع بخصم مقارنة بالخام الخفيف، لكنها تظل ذات قيمة استراتيجية، خاصة بالنسبة للمصافي المصممة لمعالجة الخامات الأثقل.

بالنسبة لواشنطن وحلفائها، يضيف سؤال الوصول إلى هذه الموارد والتحكم فيها طبقة من التعقيد للحسابات الجيوسياسية. تاريخياً، اعتمد أمن الطاقة الأمريكي على تنويع الإمدادات، وبينما وسعت الولايات المتحدة إنتاجها المحلي بشكل كبير، لا يزال الخام الثقيل يمثل مادة خام حيوية لبعض المصافي.

تجد المملكة المتحدة نفسها الآن في مأزق دبلوماسي، وهي تحاول الموازنة بين اعتبارات أمن الطاقة الخاصة بها والتزاماتها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.

لطالما التزمت لندن بمبادئ سيادة الدولة وحل النزاعات متعددة الأطراف، ومع ذلك فهي تتوافق أيضاً مع واشنطن في قضايا أمنية أوسع. وفي مناقشات برلمانية حديثة، حث عدد من أعضاء البرلمان رئيس الوزراء ريشي سوناك على توضيح ما إذا كانت المملكة المتحدة تعتبر الإجراء الأمريكي قانونياً، وما إذا كان هناك تبادل للمعلومات الاستخباراتية أو دعم لوجستي.

يحذر الخبراء من أن الصمت أو الغموض قد يؤدي إلى تآكل مصداقية بريطانيا على الساحة الدولية، خاصة بين شركاء الجنوب العالمي الذين يتحفظون على التدخلات العسكرية الغربية.

بينما تقوم منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) والجهات الفاعلة الأخرى في قطاع الطاقة بتقييم تداعيات التغيير المحتمل للنظام في كاراكاس، فإن موقف المملكة المتحدة قد يؤثر على التحالفات الدبلوماسية وديناميكيات سوق الطاقة على حد سواء.

مقالات ذات صلة