اقتصاد

المغرب يتأهب لقفزة اقتصادية تاريخية مدعومة باستثمارات ضخمة وأحداث رياضية كبرى

المملكة تستعد لنمو 5% في 2025 وتضخ 100 مليار دولار في البنية التحتية لمونديال 2030

يستعد المغرب لعام 2025 ليكون محفوراً في ذاكرة مواطنيه، حيث شهدت المملكة إنجازات رياضية متعددة، كان آخرها الفوز بكأس العرب فيفا في قطر. كما يمثل هذا العام نقطة تحول بكسر حلقة سنوات طويلة من الجفاف. وعلى الصعيد الاقتصادي، سجلت بورصة الدار البيضاء تدفقاً استثمارياً غير مسبوق.

يتجه الناتج المحلي الإجمالي في المغرب هذا العام نحو تحقيق نمو بنحو 5%، وهو أعلى معدل يسجل منذ أربع سنوات. هذا النمو مدعوم بشكل رئيسي بانتعاش القطاع الزراعي والصناعة والخدمات، مقارنة بنسبة 3.8% المحققة العام الماضي.

بشرت الأمطار الغزيرة التي شهدتها نهاية السنة الجارية بموسم فلاحي واعد، من المتوقع أن تُجنى ثماره في العام المقبل، مما قد يدفع إلى مراجعة توقعات النمو صعوداً. وتستفيد البلاد أيضاً من أداء استثنائي لقطاع السياحة، مدعوماً بتوافد الجماهير لمتابعة مباريات كأس أمم أفريقيا 2025 التي تستضيفها المدن المغربية خلال شهري ديسمبر ويناير.

استثمارات حكومية غير مسبوقة تدعم النمو

في إطار استعداداتها لاستضافة كأس أمم أفريقيا، وتأهباً لكأس العالم نهاية العقد الجاري، تنفذ المملكة مشاريع بنية تحتية ضخمة تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة. تشمل هذه المشاريع تأهيل الملاعب وتوسعة المطارات وتمديد خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة. ويجري المغرب حالياً تشييد ملعب في ضواحي الدار البيضاء، سيكون الأكبر في العالم بطاقة استيعابية تقارب 115 ألف متفرج.

هذه الاستثمارات الرياضية الضخمة ستكون داعماً قوياً للنمو خلال العام المقبل. وقد أشار بنك المغرب المركزي في تقريره الصادر في ديسمبر الجاري إلى أن اقتصاد المملكة سيحقق نمواً بمقدار 4.5% خلال السنتين القادمتين، مدفوعاً بالأساس بزخم استثماري كبير.

من المتوقع أن يكون الاستثمار الحكومي القاطرة الرئيسية لهذا النمو، من خلال إنفاق يتجاوز 380 مليار درهم (حوالي 41.5 مليار دولار)، بزيادة قدرها 12% مقارنة بالعام السابق. ويمثل هذا الرقم 21% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ البلاد. ستُضخ هذه الأموال عبر القطاعات الحكومية والشركات التابعة لها، بالإضافة إلى الصندوق السيادي محمد السادس للاستثمار.

أعلنت نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، للمشرعين في أكتوبر الماضي، أن الحكومة ستوجه هذه الاستثمارات لمشاريع البنية التحتية، التي تشمل قطاع النقل بشكل أساسي. ومن ضمن هذه المشاريع توسعة المطارات وتمديد خطوط السكك الحديدية وتسريع إنجاز ميناءين في شمال وجنوب المملكة.

يخطط المغرب لمضاعفة الطاقة الاستيعابية لمطاراته لتصل إلى 80 مليون مسافر بحلول عام 2030، ضمن خطة إنفاق تقدر بـ4.2 مليار دولار. يتماشى هذا التوسع مع النمو اللافت في قطاع السياحة، حيث احتلت البلاد المرتبة الأولى في القارة الأفريقية العام الماضي باستقبال 17.4 مليون سائح، وتتوقع رفع هذا الرقم إلى 26 مليوناً بنهاية العقد.

تعد شركات البناء المحلية المستفيد الأكبر من هذه الدينامية، حيث باتت تحصد غالبية صفقات البنية التحتية، رغم المنافسة الشديدة من الشركات الدولية. من أبرز اللاعبين في هذا القطاع شركة “الأشغال العامة للبناء بالدار البيضاء” (TGCC)، و”الشركة العامة للأشغال بالمغرب” (SGTM)، و”جيت كونتراكترز”، وجميعها شركات مدرجة في سوق الأسهم وشهدت أسعار أسهمها ارتفاعاً ملحوظاً هذا العام.

تحدي البطالة في المغرب: الشباب في صدارة الاهتمام

بينما يُتوقع أن يكون عام 2026 سنة جني ثمار الاستثمار وانتعاش الزراعة بعد سنوات عجاف، لا تزال المملكة تواجه تحديات عدة، أبرزها تحفيز النمو لمستويات أعلى لخلق فرص العمل وكبح جماح البطالة التي تجاوزت 13%. وتبرز مشكلة بطالة الشباب بشكل خاص، حيث ارتفعت في صفوفهم إلى 38% بالربع الثالث، وفقاً لبيانات المندوبية السامية للتخطيط، الجهاز الحكومي المعني بالإحصاءات.

يوسف كراوي، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، يرى أن “أكبر تحدٍ يواجهه اقتصاد المغرب هو الرفع من مستوى النمو الاقتصادي، وإحداث تحول في القيمة المضافة لقطاعي الصناعة والخدمات، وتقليل الاعتماد على قطاع الزراعة المتأثر بمواسم الجفاف”.

واجه المغرب خلال السنوات الست الماضية أطول موجة جفاف في تاريخه المعاصر، مما أثر سلباً على النمو الاقتصادي، نظراً لارتباط 40% من سكانه بالأنشطة الفلاحية في القرى، والتي تتأثر غالبيتها بقلة التساقطات المطرية.

واعتبر كراوي، في تصريحات له، أن “التحدي الأكبر هو الانتقال من نسبة 4% التي نحققها في ظل موسم فلاحي متوسط إلى 8%، من خلال تحفيز إنتاج قيمة مضافة مهمة في القطاعات غير الزراعية لامتصاص البطالة. لذلك، يجب أن ينصب التركيز على الصناعات ذات التكنولوجيا العالية”.

تسببت سنوات الجفاف الأخيرة في ارتفاع مستوى البطالة ليعود إلى ما كان عليه قبل ربع قرن. وتسعى الحكومة لخفضه إلى 9% بنهاية العقد الجاري، حيث أعلنت في فبراير الماضي عن خارطة طريق لسوق العمل، تتضمن هدف خلق 1.45 مليون وظيفة.

وعلى الرغم من تحقيق البلاد لمستويات نمو مرتفعة نسبياً، فإن ذلك لا ينعكس بشكل كافٍ على سوق العمل. فبعدما كانت كل نقطة نمو واحدة للناتج الداخلي الخام توفر نحو 30 ألف وظيفة في العقد الأول من الألفية، باتت اليوم لا توفر سوى نصف هذا العدد. وهذا يجعل التحدي أمام السلطات صعباً للغاية، لأن تنويع الاقتصاد بعيداً عن الزراعة يحتاج إلى سنوات، لكون القطاع هو أكبر مشغل لليد العاملة ويساهم بنحو 14% في الناتج المحلي.

وترجع محدودية قدرة النمو على خلق فرص عمل كافية إلى ضعف التنويع الاقتصادي، وتبعية النشاط الفلاحي للأمطار، وغياب الارتباط بين التعليم وسوق العمل، بالإضافة إلى استفحال ظاهرة القطاع غير الرسمي، بحسب تقرير صدر في نوفمبر عن المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، وهي مؤسسة تأسست بدعم ملكي عام 2007 لدراسة القضايا الاستراتيجية في البلاد.

تمويل مشاريع مونديال 2030: استراتيجيات مبتكرة

لطالما شكل تمويل مشاريع الاستعداد لكأس العالم 2030 تحدياً، بالنظر إلى إمكانية تحميل الميزانية أعباء إضافية وبالتالي تفاقم العجز. لكن فوزي لقجع، الوزير المكلف بالميزانية، أكد خلال ندوة في يوليو الماضي بالعاصمة الرباط أن البنية التحتية التي تعتمد عليها البلاد لاستضافة كأس أمم أفريقيا 2025 ستدعم بشكل مباشر استعدادات المغرب لكأس العالم بنهاية العقد الجاري.

وأشار الوزير إلى أن الحكومة تعتمد آليات تمويل مبتكرة ترتكز على الشراكات مع القطاع الخاص. كما أوضح خلال حديث أمام المشرعين في نوفمبر، أثناء مناقشة مشروع موازنة 2026، أن مختلف “المشاريع لا ترتبط حصراً بتنظيم التظاهرة الكروية، مثل تمديد خطوط السكك الحديدية وتأهيل المطارات التي تأتي استجابة لنمو الطلب في قطاعات عدة على رأسها السياحة”.

على الرغم من زيادة وتيرة الاستثمارات الحكومية، تستهدف ميزانية العام المقبل خفض العجز إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، بانخفاض 0.5 نقطة على أساس سنوي. وتُعوّل الحكومة بشكل رئيسي على نمو الإيرادات الضريبية بنسبة تصل إلى 17%، لتشكل حصة الأسد من الإيرادات الإجمالية.

وبنظر كراوي، فإن “تمويل مشاريع المونديال يبرز كأحد أهم التحديات أمام الحكومة”، معتبراً أن “ذلك يحتاج إلى مصادر ضريبية جديدة دون تحميل الطبقة المتوسطة أعباء إضافية”.

لجأت الحكومة في السنوات الماضية إلى آلية “التمويلات المبتكرة” لدعم إيرادات الميزانية. وقد قامت ببيع أصول عقارية تابعة للدولة إلى مؤسسات، ثم توقع عقود استئجار طويلة لها تنتهي بالتملك، أي استعادة الأصل بعد انتهاء مدة العقد. مكنت هذه الآلية من جمع أكثر من 13 مليار دولار خلال السنوات الست الماضية، ومن المتوقع استمرار اللجوء إليها خلال السنتين المقبلتين.

حاول المغرب استضافة كأس العالم لكرة القدم ست مرات على مدى عقود. ويرى فوزي لقجع أن سعي المملكة المستمر لا يقتصر على استضافة مباريات تدوم تسعين دقيقة. وأضاف أمام المشرعين الشهر الماضي: “تنظيم كأس العالم يجسد منظوراً استراتيجياً لبلادنا، فهو خارطة عمل تتشابك فيها كل مظاهر التنمية، وأول التزام قدمناه للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يهم القطاع الصحي.. والملاعب تشيدها شركات مغربية وتشغل يداً عاملة محلية”.

تضخم تحت السيطرة.. والبنك المركزي يلتزم الحذر

على الرغم من تسجيل انكماش في أسعار المستهلكين للمرة الأولى منذ ديسمبر 2020، بفضل تراجع أسعار المواد الغذائية، لم يلجأ بنك المغرب المركزي إلى خفض الفائدة، مع أن ذلك قد يكون داعماً للنشاط الاستثماري غير المسبوق الذي تشهده البلاد.

ويبدو أن البنك المركزي اختار نهج الحذر والتريث في ظل استمرار عدم اليقين على المستوى الدولي، مما يجعل من الصعوبة توقع ما تحمله سنة 2026. لذلك، أبقى سعر الفائدة دون تغيير عند 2.25% للمرة الثالثة على التوالي.

في نوفمبر الماضي، انخفضت أسعار المستهلكين بنسبة 0.3% على أساس سنوي، مقابل ارتفاع قدره 0.1% في أكتوبر، مما يعني انتقال التضخم إلى المنطقة السالبة.

يُعدّ الانكماش الوجه الآخر للتضخم، إذ يشير إلى تراجع عام في الأسعار. وهي ظاهرة أقل شيوعاً لكنها تُعدّ أكثر خطورة، نظراً لاحتمال أن تدفع المستهلكين إلى تأجيل قرارات الشراء، وهو ما قد يفرض ضغوطاً على أرباح الشركات، وقد يقود في نهاية المطاف إلى تباطؤ اقتصادي وربما ركود عميق. لكن طالما ظل أقل من 1%، فإن تأثيره يبقى محدوداً.

من المتوقع أن يسجل التضخم بنهاية العام 0.8%، على أن يرتفع قليلاً إلى 1.3% العام المقبل، وهي نسب منخفضة نسبياً مقارنة بالسنوات الماضية.

أشارت مذكرة بحثية صادرة عن “التجاري وفا بنك”، أكبر مصارف البلاد، إلى أن قرار البنك المركزي “يعكس اعتماد سياسة نقدية حذرة رغم السيطرة الواضحة على التضخم ورغم وجود متطلبات دعم دورة الاستثمار في المغرب”.

مع ذلك، يرى محللو البنك أن المركزي لديه مجال كبير للمناورة لمواصلة التيسير النقدي، مع هدف أولي لسعر فائدة عند 2% في عام 2026. وهو مستهدف يتفق معه محللو “بنك أفريقيا”، ثالث أكبر المصارف في المملكة، حيث يرون أن الخفض المرتقب سيزيد من دعم تمويل القطاع البنكي لمشاريع المونديال.

مقالات ذات صلة