فن

أنغام الصمت: كيف هزّت السياسة مسرح يوروفيجن؟

انسحاب أربع دول احتجاجًا على مشاركة إسرائيل يلقي بظلاله على دورة فيينا، لكن المنظمين يؤكدون: العرض سيستمر.

تستعد فيينا لأضواء الربيع. تتلألأ المدينة على وقع حلم موسيقي أوروبي عريق، لكن خلف بريق التحضيرات، يتردد صدى قرار أشعل الجدل. لقد انطفأت أربعة أنوار قبل أن تبدأ الحفلة.

في اجتماع اتسم بالترقب، منح اتحاد البث الأوروبي الضوء الأخضر لإسرائيل للمشاركة في مسابقة يوروفيجن القادمة. كان القرار بمثابة شرارة. وسرعان ما تحول إلى موقف حاسم من إسبانيا، هولندا، إيرلندا، وسلوفينيا، التي أعلنت انسحابها، لتتحول المسابقة الفنية إلى ساحة تعكس صراعات العالم، وتحديدًا الحرب على غزة، في واحدة من أعمق الأزمات التي هزت تاريخها الطويل.

لحنٌ ناقصٌ في فيينا

لن يكون مجرد غياب عابر. فإسبانيا، إحدى الدول الخمس الكبرى التي تمثل العمود الفقري المالي للمسابقة، تركت فراغًا يصعب تجاهله. أما إيرلندا، فهي أسطورة يوروفيجن الحية، بتاريخها المتوج بسبعة انتصارات، وهو رقم قياسي يشاركها فيه السويد فقط. غيابها ليس مجرد مقعد فارغ، بل هو صمت في سجل حافل بالأمجاد الموسيقية. هكذا، يبدو المسرح الفييناوي الآن أقل اكتمالًا، وكأن لحنًا رئيسيًا قد حُذف من سيمفونيته الكبرى.

صوت في مواجهة الصدى

في قلب العاصفة، تقف النمسا، الدولة المضيفة، بموقف لا يقبل التأويل. لقد أعلنت دعمها القوي لإسرائيل. ولم يكن هذا الدعم مجرد تصريح عابر، بل تجسد في زيارة قام بها رولاند فايسمان، رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية، إلى إسرائيل قبيل الاجتماع الحاسم. خطوةٌ بدت وكأنها ترسم مسبقًا حدود المسرح الفني، وتؤكد أن الفن، أحيانًا، لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن السياسة. قال فايسمان بلهجة واثقة لإذاعة الهيئة: “لن يتأثر العرض بأي شكل من الأشكال”. تصريح يحمل في طياته إصرارًا على المضي قدمًا، رغم الأصوات الغائبة.

أرقام خلف الستار

تتجاوز القصة الأبعاد الفنية لتصل إلى لغة الأرقام. اعترف فايسمان بأن غياب عدة دول سيشكل عبئًا ماليًا، لكنه سارع إلى تطمين الجميع. “لقد أخذنا ذلك في الاعتبار بالفعل… ويؤثر هذا بشكل أساسي على اتحاد البث الأوروبي الذي أخذ ذلك في الحسبان فعلاً في ميزانيته”. يبدو أن المنظمين كانوا يتوقعون العاصفة، وأعدوا لها ميزانية خاصة. وبينما لا يزال الباب مفتوحًا أمام المنسحبين لتغيير رأيهم حتى منتصف ديسمبر، فإن الرسالة واضحة: العرض أهم من أي غياب. “حتى لو كان هناك نقص قليل، سنكون قادرين على تعويضه”، يضيف فايسمان، في محاولة لإغلاق فصل الجدل المالي.

ستُفتح ستائر مسرح فيينا في مايو المقبل. ستُعزف الموسيقى وتُطلق الألعاب النارية، لكن الظلال ستبقى. ستكون هناك مقاعد فارغة تروي قصة فنانين اختاروا الصمت موقفًا، وقصة مسابقة عريقة تجد نفسها مرة أخرى عند مفترق الطرق بين الفن والواقع. سيبدأ العرض، لكن السؤال الذي يتردد في الكواليس هو: هل سيكون صوته بنفس القوة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *