اقتصاد

طرح مور ثريدز: كيف حوّلت العقوبات الأمريكية شركة رقائق صينية إلى ظاهرة استثمارية؟

تحليل معمق لأداء الطرح الأولي لعملاق الرقائق الصيني، وكيف يعكس مسار الحرب التكنولوجية بين بكين وواشنطن.

في عالم الاستثمار، نادراً ما تكون قفزة بنسبة 469% في اليوم الأول للتداول مجرد رقم؛ بل هي بيان اقتصادي وسياسي مدوٍ. هذا بالضبط ما حدث مع شركة “مور ثريدز تكنولوجي”، حيث لم يكن أداء سهمها الصاروخي انعكاساً لقوتها المالية الحالية بقدر ما كان تجسيداً لرهان السوق الصينية على مستقبل الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وهو رهان غذّته بشكل مباشر القيود التجارية الأمريكية التي كانت تهدف إلى عكس ذلك تماماً.

أرقام خلف الاندفاع

إن جمع 1.13 مليار دولار يجعل هذا الطرح ثاني أكبر عملية تمويل في السوق المحلية الصينية هذا العام، لكن القصة الأعمق تكمن في حجم الطلب. تجاوز معدل تغطية الاكتتاب لشريحة الأفراد 2750 مرة، وهو مستوى من الإقبال لم يشهده طرح أولي بهذا الحجم منذ عام 2022، مما يشير إلى أن المستثمرين لم يكونوا يشترون أسهماً فحسب، بل كانوا يستثمرون في فكرة “البطل الوطني” القادر على سد الفجوة التي خلّفها خروج “إنفيديا” القسري من السوق. هذا التدفق الهائل لرأس المال المحلي نحو شركة ناشئة هو نتيجة مباشرة لتصور مفاده أن الدعم الحكومي والفرص السوقية الناتجة عن الفراغ التكنولوجي يوفران شبكة أمان تفوق مخاطر الاستثمار التقليدية.

من الخسارة إلى الريادة؟

من منظور مالي بحت، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. حققت الشركة قفزة هائلة في الإيرادات بنسبة 182% لتصل إلى 780 مليون يوان، لكنها في الوقت نفسه سجلت خسائر صافية بقيمة 724 مليون يوان خلال الأشهر التسعة الأولى من العام. هذا التناقض بين النمو المتسارع والخسائر المستمرة يطرح سؤالاً جوهرياً حول التقييم، حيث بلغ مضاعف السعر إلى المبيعات 123 مرة عند سعر الطرح، متجاوزاً متوسط القطاع البالغ 111 مرة. فهل يمكن لقصة النمو المدفوعة بالسياسة أن تبرر تجاهل أساسيات الربحية على المدى الطويل؟ إن وجود مؤسسها، تشانغ جيانتشونغ، كمدير تنفيذي سابق في “إنفيديا”، قدّم للمستثمرين جرعة من الثقة في الخبرة التقنية، لكن الرهان يبقى على قدرة الشركة على تحويل هذه الخبرة إلى أرباح فعلية.

تأثير العقوبات العكسي

كانت اللحظة الفارقة في مسار الشركة هي إدراجها في أكتوبر 2023 ضمن قائمة الكيانات المحظورة من قبل وزارة التجارة الأمريكية، وهو إجراء أدى إلى إعادة هيكلة وتسريح للموظفين. لكن ما كان يُفترض أن يكون ضربة قاصمة، تحول إلى أداة تسويق لا تقدر بثمن في السوق المحلية، حيث رسّخ هذا الإجراء مكانة “مور ثريدز” كخط دفاع أمامي في حرب الرقائق. هذا الشعور الوطني لم يظهر في طرحها الأولي فقط، بل انعكس على أداء مؤشر “ستار 50” الذي قفز بنسبة 34% هذا العام، مدفوعاً بشركات مثل “كامبريكون” التي تضاعفت قيمة أسهمها، مما يؤكد أن رأس المال الصيني يتحرك الآن بمنطق استراتيجي يتجاوز التحليل المالي التقليدي.

نجاح هذا الإدراج يفتح الباب على مصراعيه أمام طروحات أخرى مرتقبة لشركات مثل “ميتا إكس”، وقد يشجع عمالقة تصنيع الرقائق مثل “يانغتسي ميموري” على المضي قدماً في خطط مماثلة. ومع ذلك، فإن هذا الحماس قد يحمل في طياته خطراً جديداً، إذ يخشى بعض المحللين من أن هذه الطروحات الضخمة قد تستنزف السيولة من السوق، مما يضع ضغوطاً إضافية على الشركات الأخرى المدرجة. بذلك، يتحول النجاح الفردي لشركة واحدة إلى اختبار حقيقي لعمق وقدرة سوق رأس المال الصينية بأكملها على تمويل طموحاتها التكنولوجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *