عرب وعالم

مصر على خط التوتر: دبلوماسية هادئة لنزع فتيل الحرب بين لبنان وإسرائيل

تحركات القاهرة المكثفة بين بيروت وتل أبيب ترسم ملامح وساطة إقليمية لتجنب مواجهة شاملة ودعم سيادة الدولة اللبنانية.

في الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار الهش، عادت طبول الحرب لتقرع على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. التهديدات الإسرائيلية بشن هجوم واسع النطاق لم تعد مجرد تصريحات عابرة، بل تحولت إلى ضغط سياسي وعسكري متزايد، وهو ما دفع القاهرة إلى واجهة المشهد كوسيط رئيسي يسعى لإعادة ضبط إيقاع المنطقة وتجنب انزلاقها نحو مواجهة مفتوحة.

التحرك المصري لم يكن رد فعلٍ عابر، بل جاء ضمن سياق استراتيجي يعي تماماً أن أي انفجار على الجبهة الشمالية لإسرائيل سيمتد تأثيره حتماً إلى كامل الإقليم. وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، لوّح بعمل عسكري قوي ما لم يتخلَّ حزب الله عن سلاحه. هذه المطالب، المتزامنة مع اتهامات للجيش اللبناني بالتقاعس، وضعت بيروت في موقف حرج، بينما تمسكت بمطالبها بوقف الخروقات الإسرائيلية والانسحاب من خمس نقاط حدودية محتلة.

تحرك مصري عاجل في بيروت

زيارة وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى بيروت كانت بمثابة رسالة واضحة. جاءت الزيارة مباشرة بعد مكالمة مطولة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وقائد الجيش اللبناني جوزيف عون، ما يعكس مستوى التنسيق الرفيع. حمل عبد العاطي رسالة دعم للمبادرة اللبنانية القاضية بتولي الجيش مسؤولية النقاط الحدودية الخمس، وهو ما يمثل جوهر المساعي لتعزيز سيادة الدولة. التقى عبد العاطي بالرؤساء جوزيف عون، نواف سلام، ونبيه بري، مؤكداً أن مصر تخشى من احتمالات التصعيد ولن تتوقف عن بذل الجهود لتجنب ويلات الحرب.

هذا التحرك لا يمثل مجرد زيارة دبلوماسية، بل هو تأكيد مصري على أن أمن لبنان جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم، وأن دعم مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، هو السبيل الوحيد لضمان الاستقرار طويل الأمد.

شدد الوزير المصري على احترام القرار الوطني اللبناني بجميع مكوناته، داعياً كافة الأطراف إلى تحمل مسؤولياتها الوطنية. كانت الدعوة لحصر السلاح في يد الدولة اللبنانية محورية، فهي لا تستهدف طرفاً بعينه بقدر ما تهدف إلى ترسيخ مفهوم الدولة كمرجعية أمنية وسياسية وحيدة.

دبلوماسية مصر لاحتواء أزمة لبنان

مبادرة أمنية من القاهرة

قبل التحرك الدبلوماسي العلني، كانت هناك جهود أمنية واستخباراتية مكثفة. زيارة رئيس المخابرات المصرية، اللواء حسن رشاد، إلى لبنان في 27 أكتوبر، كشفت عن عمق الدور المصري. جاءت زيارته بعد أسبوع واحد فقط من لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس، وهو تسلسل زمني يرسم ملامح دبلوماسية مكوكية هادئة. طرح رشاد مبادرة لتثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط المحتلة، مقترحاً توسيع اتفاق شرم الشيخ ليشمل الجبهة اللبنانية. هذا الربط بين المسارات يعكس محاولة مصرية لصياغة حل متكامل يعالج جذور التوتر بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة.

شراكة اقتصادية لتعزيز الاستقرار

لم تقتصر الجهود المصرية على المسار الأمني والسياسي. انعقاد اللجنة العليا المصرية اللبنانية في القاهرة لأول مرة منذ ست سنوات حمل دلالات اقتصادية واستراتيجية عميقة. توقيع 15 اتفاقية تعاون في مجالات حيوية مثل الطاقة، والأمن الغذائي، وإعادة الإعمار، يمثل استثماراً مصرياً في استقرار الدولة اللبنانية. رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أكد خلال لقائه نظيره اللبناني نواف سلام، أن دعم الاقتصاد اللبناني هو جزء من دعم الاستقرار السياسي. بلغ التبادل التجاري مليار دولار العام الماضي، لكن الإمكانات أكبر بكثير، خاصة في قطاعات حيوية كالأدوية والبنية التحتية، حيث أبدت الشركات المصرية استعدادها للمساهمة فور استتباب الأوضاع جنوباً.

دبلوماسية مصر لاحتواء أزمة لبنان

حقائق ميدانية وتحديات مستمرة

على الأرض، تبذل المؤسسة العسكرية اللبنانية جهوداً لافتة لفرض سلطة الدولة. أعلن العميد نقولا ثابت، قائد قطاع جنوب الليطاني، عن تنفيذ الجيش أكثر من 30 ألف مهمة. تمكن الجيش من معالجة 177 نفقاً وإغلاق 11 معبراً غير شرعي على نهر الليطاني. كما تم ضبط 566 راجمة صواريخ. هذه الأرقام تعكس إرادة سيادية تتناغم مع المساعي الدبلوماسية المصرية.

في المقابل، تستمر الخروقات الإسرائيلية في تقويض جهود التهدئة. قيام الجيش الإسرائيلي بخرق الخط الأخضر في بلدة رميش وإقامة جدران أسمنتية داخل الأراضي اللبنانية في بلدة يارون، دفع بيروت لتقديم شكوى رسمية لمجلس الأمن. هذه التحركات الميدانية تضع صعوبات حقيقية أمام أي مسار سياسي، وتؤكد أن الطريق نحو استقرار مستدام لا يزال يتطلب جهداً دبلوماسياً وضغطاً دولياً متواصلاً.

دبلوماسية مصر لاحتواء أزمة لبنان

يبقى التنسيق بين القاهرة وبيروت مستمراً، كما أكد لقاء وزيري الخارجية على هامش منتدى الاتحاد من أجل المتوسط. الجهد المصري، المنطلق من ثوابت دعم وحدة لبنان وسيادته، يمثل حالياً شبكة الأمان الأكثر فعالية لمنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب قد لا يرغب فيها أحد، ولكن قد يجد الجميع أنفسهم متورطين فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *