فن

في الرياض، حيث يُولد النقد السينمائي من جديد

مؤتمر النقد السينمائي الدولي يرسم خريطة جديدة للثقافة السينمائية في زمن التحولات، ويؤكد أن لكل نهاية بداية مشرقة.

في زمنٍ تُنْعى فيه السينما، وتُكتب فيه مرثيات النقد، هناك في الرياض، تُعزف سيمفونية البدايات. الصحافة السينمائية تتراجع عالمياً. دور النقد يتقلص. لكن هنا، شيء مختلف يحدث. شيءٌ غير مسبوق، ينمو بحماس لا يمكن تجاهله. في الوقت الذي يعلن فيه كبار النقاد أن المهنة قد تموت خلال سنوات قليلة، تفتح المملكة العربية السعودية ذراعيها لتعيد اكتشاف كل شيء من جديد، وكأنها تقول للعالم: “هنا، تبدأ الحكاية”.

هذا الإحساس كان يتجسد بوضوح في كل زاوية من زوايا مؤتمر النقد السينمائي الدولي، الذي احتضنته الرياض على مدار ثلاثة أيام نابضة بالحياة. لم يكن مجرد تجمع، بل كان احتفالية بالفكر. تحت عنوان شاعري وعميق هو “المكان، الذاكرة، والهوية”، التقى نقاد وباحثون وصناع أفلام من مختلف أنحاء العالم، ليخوضوا في حوارات فكرية وفنية خصبة. هذه المبادرة، التي تقودها هيئة الأفلام السعودية ببراعة، ليست مجرد دعم للإنتاج السينمائي، بل هي استثمار استراتيجي في بناء وعي ثقافي متكامل. إنها رسالة واضحة بأن السينما ليست ترفيهًا فحسب، بل هي فن يتطلب تذوقًا وتحليلًا وفهمًا عميقًا، وهو جوهر ما يقدمه النقد الحقيقي.

### خرائط الذاكرة… وأصداء المكان

كانت فعاليات المؤتمر أشبه برحلة سينمائية عبر الجغرافيا والزمن. كل جلسة كانت نافذة تطل على عالم مختلف. بدأت الرحلة مع المخرج الإيطالي الكبير ماركو بيلوكيو، ثم أبحرت في عوالم الأرشيف السينمائي، حيث كشفت الدكتورة يانكا باركوتشي كيف أن بقايا الأفلام المنسية يمكن أن تولد من جديد، حاملةً معها ذاكرة مكان وزمان. كان حديثها عن الأرشيف المجري بمثابة قصيدة عن الخلود، وكيف أن الفن لا يموت حقًا. “في الأرشيف، تنتهي الأفلام، لتولد من جديد”، عبارة تلخص فلسفة الحفاظ على الذاكرة البصرية للإنسانية.

من هناك، تشعبت المسارات لتلامس قلب الموضوع. جلسة “الصحراء في السينما العربية” لم تكن مجرد نقاش أكاديمي، بل كانت استكشافًا لروح المكان الذي شكّل جزءًا كبيرًا من الهوية الثقافية للمنطقة. وبالمثل، كانت جلسة “ذاكرة المدن” بمثابة فسيفساء بصرية، حيث استُحضرت صور القاهرة وبيروت ودمشق والرياض في حوار سريع ومكثف، وكأن كل مدينة شخصية سينمائية لها حكايتها الخاصة. ثم انتقل التركيز إلى مدن بعينها، فحلّقنا فوق ميلانو مع أفلام فيسكونتي وريدلي سكوت، وتجولنا في شوارع تبليسي الجورجية خلال حقبة الستينيات، وشاهدنا تحولات دكا الهندية عبر عدسات المخرجين. لقد تحول المؤتمر إلى أطلس سينمائي عالمي، يُقرأ من قلب الرياض.

### صورةٌ بألف كلمة… وورشةٌ لجيلٍ قادم

لم يكتفِ المؤتمر بالنقاشات النظرية، بل مد جسورًا نحو المستقبل. أقيمت ورش عمل متخصصة، استهدفت بشكل خاص جيل الشباب الشغوف بالسينما. ورش مثل “مبادئ النقد السينمائي” و”تحليل اللغة المرئية في الأفلام” كانت بمثابة بوصلة لهؤلاء الشباب، تمنحهم الأدوات اللازمة ليس فقط للمشاهدة، بل للقراءة النقدية العميقة. كان المشهد مؤثرًا، رؤية هذا الحماس في عيون الحضور، فهم الفئة التي تُبنى من أجلها هذه الجسور الثقافية.

وعلى هامش كل هذا الزخم الفكري، جاءت لحظة سينمائية خالصة. عُرض فيلم “أخبار من الوطن” (News From Home) للمخرجة البلجيكية الرائدة شانتال أكرمان. هذا الفيلم، الذي صُنع عام 1977، هو تحفة فنية تجسد ثيمة المؤتمر بأكملها. مشاهد وثائقية لنيويورك الصاخبة، تتناغم مع صوت رسائل والدة المخرجة المليئة بالحنين والشوق من بلجيكا. هنا، لم يعد المكان مجرد خلفية، بل أصبح شخصية تتنفس، تتألم، وتحلم. لقد كانت أكرمان، التي اختير فيلمها “جان ديلمان” مؤخرًا [كأفضل فيلم في تاريخ السينما](https://www.bfi.org.uk/sight-and-sound/greatest-films-all-time) في استطلاع مجلة Sight and Sound، تبرهن بعبقرية كيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى شعر بصري. بعد مشاهدة الفيلم، لم يعد هناك الكثير ليُقال. فحقًا، صدق من قال إن الصورة يمكن أن تُغني عن ألف كلمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *