ثوران بركاني نادر في إثيوبيا يعيد فتح ملف المخاطر الجيولوجية لسد النهضة
نشاط جيولوجي في منطقة الصدع الإفريقي العظيم يثير تساؤلات حول سلامة أكبر مشروع كهرومائي في القارة، وسط خلافات دبلوماسية مستمرة.

للمرة الأولى منذ اثني عشر ألف عام، استيقظ بركان «هايلي جوبي» في شمال شرق إثيوبيا. هذا الحدث الجيولوجي النادر لم يقتصر تأثيره على إطلاق سحب الرماد الشاهقة، بل أعاد إلى الواجهة نقاشاً سياسياً ودبلوماسياً حساساً حول سلامة سد النهضة، المشروع الذي يجسد طموحات أديس أبابا بقدر ما يثير قلق دول المصب.
يقع البركان في إقليم عفر. وهي منطقة تقع مباشرة ضمن حزام الصدع الإفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي هائل يشهد تباعد الصفائح التكتونية الإفريقية والعربية. هذه الحركة المستمرة، التي شكلت جغرافية شرق إفريقيا على مدى ملايين السنين، تجعل المنطقة بؤرة للنشاط الزلزالي والبركاني، وهو ما أكده برنامج علم البراكين العالمي التابع لمؤسسة «سميثسونيان» في تقاريره عن النشاط المتجدد في المنطقة. وقد قذف البركان رماده لمسافة 14 كيلومتراً في الغلاف الجوي، لتصل آثاره إلى اليمن وعُمان، في تذكير ملموس بأن تداعيات الأحداث الطبيعية لا تعترف بالحدود السياسية.

تداعيات جيولوجية على مشروع استراتيجي
تزامن هذا الثوران مع سلسلة من الهزات الأرضية. بلغت قوة بعضها 5.8 درجة على مقياس ريختر. يثير هذا النشاط المتصاعد قلق الخبراء والمسؤولين في دول الجوار، ليس فقط من الخطر البركاني المباشر، بل من تأثيره المحتمل على سلامة البنى التحتية الكبرى، وعلى رأسها سد النهضة. فالسد، الذي يُعد أكبر منشأة كهرومائية في إفريقيا، يقع في منطقة لا يمكن فصلها عن هذه الديناميكيات الجيولوجية المعقدة، مما يضع فرضية تأثير الزلازل على استقراره الإنشائي في صلب النقاشات الفنية والسياسية التي صاحبت المشروع منذ بدايته. إنها معضلة تواجهها العديد من المشاريع الكبرى حول العالم، حيث يتقاطع الطموح التنموي مع حقائق الطبيعة التي لا يمكن ترويضها بالكامل.
مواقف معلنة وتقييم للمخاطر
وقد حذرت أصوات أكاديمية، مثل الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة، من هذه المخاطر المحتملة. هذه التحذيرات لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى تاريخ المنطقة الزلزالي وإلى حجم المشروع الهائل الذي يحجز خلفه مليارات الأمتار المكعبة من المياه، مما يضاعف من حجم أي كارثة محتملة في حال تأثر بنيته. وفيما تصر إثيوبيا على متانة تصميم السد وقدرته على تحمل الأنشطة الزلزالية، فإن الأحداث الأخيرة تفرض على جميع الأطراف، بما في ذلك المجتمع الدولي، ضرورة المتابعة الدقيقة والشفافة لتقييم المخاطر بشكل مستمر. فسلامة السد لم تعد شأناً إثيوبياً داخلياً، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن المائي والإقليمي لمنطقة حيوية من العالم.









