مفارقة الزراعة الكويتية: الإنتاج يرتفع.. والأرباح تتآكل
زراعة الكويت.. وفرة إنتاج تخفي أزمة أسعار وتكاليف

وفرة في الكمية.. تآكل في القيمة
في مشهد يعكس تحديات هيكلية عميقة، سجل الإنتاج الزراعي في الكويت نمواً كمياً بنسبة 10% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، ليصل إلى 220.7 ألف طن. لكن هذه الوفرة الظاهرية تخفي وراءها حقيقة أكثر قسوة: تآكل في القيمة الفعلية للأرباح وتراجعها خلال الربعين الثاني والثالث. هذه المفارقة تطرح سؤالاً مباشراً حول جدوى الاستراتيجيات الحالية لتحقيق الأمن الغذائي، الذي أصبح هاجساً وطنياً منذ أزمات الإمداد العالمية المتعاقبة.
فائض موسمي يضغط على الأسعار
أحد الأسباب المباشرة لهذه الأزمة الصامتة هو فائض الإنتاج الموسمي في أصناف محددة. بحسب محللين، أدى التركيز على محاصيل مثل الخيار والباذنجان إلى إغراق السوق في فترات الذروة، ما تسبب في انهيار أسعارها. هو مشهد يتكرر موسمياً، حيث يجد المزارع نفسه في مواجهة سوق أغرقته سلعته، ليبيعها بأقل من تكلفتها أحياناً. هذا الوضع يكشف عن غياب التنسيق بين المزارعين وضعف آليات تنظيم السوق التي يمكنها استيعاب الفائض وتوجيهه.
تكاليف الإنتاج.. التحدي الخفي
بالتوازي مع انخفاض الأسعار، يواجه المزارع الكويتي ارتفاعاً حاداً في تكاليف مدخلات الإنتاج. فواتير الطاقة والأسمدة والمياه لا تتوقف عن الصعود، متأثرة بالأسواق العالمية وتقلباتها. هذه الزيادة تلتهم أي هامش ربح قد يتحقق من زيادة الإنتاج، وتحول النجاح في زيادة المحصول إلى عبء مالي. يُرجح مراقبون أن هذه المعادلة الصعبة هي ما يدفع العديد من المزارع الصغيرة إلى حافة الخسارة، مهددة استمرارية قطاع حيوي للدولة.
غياب التنويع.. رهان على المضمون يقتل الابتكار
البيانات تشير إلى تركيز الإنتاج على 5 محاصيل رئيسية فقط، وهو ما يعكس عقلية “الرهان الآمن” لدى المزارعين الذين يفضلون المحاصيل مضمونة التسويق. لكن هذا الرهان، وإن بدا منطقياً على المدى القصير، يمثل فخاً استراتيجياً. فهو يحد من مرونة القطاع الزراعي وقدرته على التكيف مع متغيرات السوق والطلب، ويجعل الأمن الغذائي الكويتي معتمداً على عدد محدود جداً من الأصناف، ما يرفع من مستوى المخاطر في حال تعرض أي من هذه المحاصيل لآفة أو أزمة.
الخلاصة: أرقام تضلل.. وحاجة لخطة واقعية
الأرقام لا تكذب، لكنها قد تضلل. النمو في كمية الإنتاج الزراعي الكويتي يخفي أزمة ربحية واستدامة تهدد مستقبل المزارعين. إن الانتقال من مجرد زيادة الكميات إلى بناء قطاع زراعي مرن ومربح ومستدام يتطلب تدخلاً استراتيجياً يعالج تنظيم السوق، ويدعم تنويع المحاصيل، ويساعد المزارعين على مواجهة تكاليف الإنتاج. فبدون ذلك، ستبقى أهداف الأمن الغذائي مجرد أرقام على ورق، بعيدة عن واقع الحقل والسوق.









