فن

من قنا إلى نيروبي.. كيف حكى مسرح مصري قصة الصعيد للعالم؟

عرض "رجعة بلا روح".. حين يصبح الفن جسرًا ثقافيًا بين مصر وأفريقيا

في قلب العاصمة الكينية نيروبي، وعلى غير العادة، علت أصوات الموسيقى الصعيدية وتصفيق حار لقصة مصرية خالصة. لم يكن مجرد عرض مسرحي، بل كان أشبه برسالة ثقافية حملتها فرقة «أناكوندا» المسرحية من قنا، لتثبت أن الفن قادر على عبور الحدود واللغات. قصة قديمة، لكنها لا تزال حية وقادرة على لمس القلوب في كل مكان.

صدى إيجابي

تجاوز استقبال عرض «رجعة بلا روح» حدود المجاملة الدبلوماسية. تفاعل الجمهور الكيني بشكل لافت مع إيقاعات العرض وأحداثه، خاصة مع لعبة العصا التي قُدمت ببراعة تعكس أصالة الموروث. وبحسب السفير المصري في كينيا، حاتم يسري، فإن هذا التفاعل العميق يعكس نجاحًا فنيًا وجماهيريًا حقيقيًا، وهو ما يؤكد أن الثقافة تظل أقوى جسور التواصل بين الشعوب.

فخر مصري

على الجانب الآخر، وجد أبناء الجالية المصرية في كينيا في العرض قطعة من الوطن. لم تكن مجرد مشاهدة، بل كانت استعادة لروح الفن المصري الأصيل الذي يفتقدونه في غربتهم. يبدو أن الفن، حين يكون صادقًا، يحمل معه رائحة تراب الوطن أينما ذهب.

تراث الصعيد

يستند العرض، الذي أبدعه المؤلف والمخرج محمد موسى، إلى قصة «شفيقة ومتولي» الشهيرة، وهي حكاية متجذرة في الموروث الصعيدي. لكن العرض لا يكتفي بسردها، بل يقدم رؤية تحليلية للتناقضات الاجتماعية، حيث يسلط الضوء على ازدواجية المعايير التي تمنح الرجل سلطة مطلقة باسم العادات والشرف، بينما يمارس هو نفسه ما يحرمه على غيره. إنها معالجة ذكية لقصة شعبية، تحولها إلى مرآة تعكس واقعًا إنسانيًا أوسع.

رسالة ثقافية

يرى مراقبون أن هذه المشاركة تتجاوز كونها حدثًا فنيًا معزولاً. فهي تندرج ضمن توجه مصري أوسع لتعزيز القوة الناعمة في القارة الأفريقية، وهو ما أشار إليه هيثم الهواري، رئيس اتحاد المسرحيين الأفارقة. فمن خلال الفن، تفتح مصر قنوات حوار جديدة، وتؤكد على عمق روابطها التاريخية والثقافية مع دول القارة، في خطوة تبدو استراتيجية بقدر ما هي فنية.

في النهاية، لم يكن «رجعة بلا روح» مجرد عرض مسرحي ناجح، بل كان دليلاً على أن القصص المحلية الأصيلة تحمل في طياتها قيمًا إنسانية عالمية. لقد نجحت فرقة من جنوب مصر في أن تحكي قصة الصعيد بلغة يفهمها العالم، مؤكدة أن الفن المصري لا يزال قادرًا على التأثير والإلهام خارج حدوده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *