أرامكو ترسم مستقبل الطاقة: استراتيجية مزدوجة تجمع الغاز والذكاء الاصطناعي
الرئيس التنفيذي لأرامكو يكشف عن خطة عشرية لزيادة إنتاج الغاز بأكثر من 60% والاعتماد على الذكاء الاصطناعي كمحرك أساسي للنمو

في خطوة ترسم ملامح مستقبل عملاق النفط العالمي، كشفت أرامكو السعودية عن استراتيجية عشرية جديدة. ترتكز هذه الاستراتيجية على محورين رئيسيين: التوسع الكبير في إنتاج الغاز، والتوغل بقوة في عالم الذكاء الاصطناعي والرقمنة، في تحول يعكس فهمًا عميقًا لديناميكيات سوق الطاقة العالمي المتغيرة.
أعلن أمين الناصر، الرئيس التنفيذي للشركة، خلال جلسة حوارية في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” بالرياض، أن الشركة تستهدف زيادة إنتاجها من الغاز بأكثر من 60% بحلول عام 2030. هذا التوجه لا يأتي فقط لتلبية الطلب المحلي المتزايد، بل يضع أرامكو في قلب سوق الغاز العالمي، الذي يُنظر إليه كوقود انتقالي أساسي في رحلة التحول نحو طاقات أنظف.
ورغم هذا التركيز الجديد، أكد الناصر أن النفط والغاز سيظلان مكونين رئيسيين في مزيج الطاقة العالمي لعقود قادمة. هذا التصريح يمثل رسالة واضحة بأن الشركة لن تتخلى عن نشاطها الأساسي، بل ستعمل على تعزيزه بالتوازي مع استثماراتها في الطاقة المتجددة والكيماويات، مستفيدة من النمو القوي الذي تشهده الأسواق الناشئة.
الذكاء الاصطناعي.. محرك أرامكو الجديد
العنصر الأكثر لفتًا في استراتيجية أرامكو الجديدة هو الرهان الكبير على التكنولوجيا. أوضح الناصر أن ما يميز الشركة اليوم ليس فقط استثماراتها في الهيدروكربونات، بل أيضًا في الذكاء الاصطناعي والرقمنة. هذه المجالات لم تعد مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت محركًا أساسيًا لتحقيق قيمة مضافة، مستندة إلى بنية تحتية حاسوبية ضخمة بنتها الشركة على مدى تسعين عامًا.
ولتجسيد هذا التوجه، تستعد الشركة لضخ استثمارات تقارب ملياري دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة في كيان جديد يحمل اسم “أرامكو الرقمية”. هذا الكيان لن يخدم عمليات الشركة الداخلية فحسب، بل يهدف إلى التوسع وعقد شراكات وتقديم خدماته في أسواق جديدة، مما يحول الذراع الرقمية للشركة إلى مركز ربحي مستقل.
وتأتي الشراكة مع شركة “هيومان” كخطوة استراتيجية لتعزيز هذه الطموحات، حيث وصفها الناصر بأنها “اللاعب القادم” في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. هذا التعاون يهدف إلى فتح آفاق واسعة أمام “أرامكو الرقمية” لتصبح منصة رائدة في الابتكار والتقنيات المستقبلية، مستفيدة من بيانات الشركة عالية الجودة وفريق يضم نحو 6000 متخصص في هذا المجال.
الأرقام تؤكد جدوى هذا الاستثمار، حيث بلغت القيمة المحققة من التكنولوجيا ملياري دولار في 2023، ومن المتوقع أن تتضاعف إلى 4 مليارات دولار في 2024. اللافت أن نصف هذه القيمة يأتي من الذكاء الاصطناعي وحده، مما يبرهن على أنه لم يعد مجرد مفهوم نظري، بل أداة فعالة لتعزيز الكفاءة والربحية.
بوصلة الطلب تتجه جنوبًا
في تحليله لمشهد الطاقة العالمي، قدم الناصر رؤية واقعية مدعومة بالأرقام، مشيرًا إلى أن أساسيات السوق لا تزال قوية والطلب ينمو باطراد. فقد ارتفع الطلب العالمي من 295 مليون برميل مكافئ نفط قبل عشر سنوات إلى 345 مليونًا حاليًا، جاء 80% من هذا النمو من الهيدروكربونات، وليس من مصادر الطاقة المتجددة التي لم تعوض سوى 15 مليون برميل.
هذا التحليل يسلط الضوء على الفجوة بين الخطاب السائد حول التحول الطاقوي السريع وواقع احتياجات العالم الفعلية. وأشار الناصر إلى أن 80% من النمو الحالي في الطلب يأتي من دول الجنوب، التي لا يزال استهلاك الفرد فيها منخفضًا للغاية (1-2 برميل سنويًا) مقارنة بأوروبا (9 براميل) والولايات المتحدة (22 برميلًا)، مما يعكس إمكانات نمو هائلة.
واختتم الناصر حديثه بتوقعات واضحة، حيث سيواصل الطلب العالمي على النفط نموه بمعدل يتراوح بين 1.1 و1.3 مليون برميل يوميًا في 2024، مع توقعات مماثلة لعام 2025. هذه الزيادة، التي تأتي بشكل أساسي من الاقتصادات النامية، تؤكد أن استراتيجية أرامكو المزدوجة، التي توازن بين تلبية الطلب الحالي على الهيدروكربونات والاستثمار في طاقة المستقبل، هي استجابة عملية لواقع السوق العالمي.









