سباق المعادن النادرة.. واشنطن تؤمن بدائلها في مواجهة هيمنة بكين
تحركات أمريكية مكثفة لتأمين سلاسل توريد المعادن النادرة بعيدًا عن الصين، فهل تنجح استراتيجية فك الارتباط؟

في تحرك استراتيجي لافت، تكثف الولايات المتحدة جهودها لتأمين مصادر بديلة للمعادن النادرة، عبر سلسلة من الاتفاقيات الدولية. تأتي هذه الخطوات كرد فعل مباشر على قيود التصدير التي فرضتها الصين، مما يعيد تشكيل خريطة الموارد العالمية ويهدد بإشعال الحرب التجارية مجددًا.
جولة آسيوية.. اتفاقات متتالية
لم يكن الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع ماليزيا بشأن المعادن النادرة حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة من التحركات الدبلوماسية المحسوبة. فخلال جولته الآسيوية، التي سبقت لقاءه المرتقب مع نظيره الصيني شي جين بينغ، حرص ترمب على توقيع اتفاق مماثل مع تايلاند، بعد ساعات فقط من مشاركته في التوقيع على اتفاق لخفض التصعيد بين تايلاند وكمبوديا، في إشارة واضحة على ربط الأجندة السياسية بأمن الموارد.
هذه الجولة سبقها بأيام اتفاق ضخم مع أستراليا بقيمة 8.5 مليار دولار، يركز بشكل أساسي على قطاع المعادن الحيوية والنادرة. وعلق ترمب بتفاؤل لافت: “بعد عام من الآن، سيكون لدينا كم هائل من المعادن الحيوية وعناصر الأرض النادرة لدرجة أننا لن نعرف ما سنفعل بها”، وهو تصريح يعكس حجم الرهان الأمريكي على تنويع المصادر بعيدًا عن هيمنة الصين.
تحركات على جبهات متعددة
لم تقتصر التحركات الأمريكية على جيران الصين، بل امتدت لتشمل مناطق نزاع ومنافسة جيوسياسية. ففي قلب الصراع الروسي الأوكراني، وقعت كييف في أبريل الماضي اتفاقًا يمنح الشركات الأميركية أولوية الوصول إلى أكثر من مئة موقع لرواسب المعادن النادرة. وفي المقابل، عرضت روسيا اتفاقًا مشابهًا على واشنطن، لكنه لم يجد طريقه للتنفيذ بعد، مما يظهر تعقيدات المشهد الدولي.
امتدت شبكة الاتفاقات لتصل إلى باكستان، التي وقعت اتفاقًا بقيمة 500 مليون دولار مع شركة “يو إس ستراتيجيك ميتالز”، وسلمت بالفعل أول شحنة لواشنطن هذا الشهر. كما نجحت الوساطة الأمريكية في إنهاء صراع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وهو ما يفتح الباب أمام الاستفادة من ثروات كينشاسا المعدنية، رغم هشاشة اتفاق السلام وعدم وضوح بنوده حتى الآن.
شركات وبنتاجون.. الاستثمار الداخلي يتسارع
لا تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على الدبلوماسية فقط، بل تتجه بقوة نحو تعزيز القدرات الداخلية بدعم حكومي مباشر. وتكشف تقارير عن محادثات تجريها واشنطن لإنشاء صندوق بقيمة 5 مليارات دولار مخصص للاستثمار في التعدين، في خطوة تهدف إلى تحفيز القطاع الخاص على الدخول بقوة في هذا المجال الحيوي.
وفي سابقة لافتة، استثمر البنتاجون 400 مليون دولار في حصص ملكية بشركة “إم بي ماتيريالز” (MP Materials)، الرائدة في إنتاج المعادن الأرضية النادرة. هذه الخطوة، التي وصفت بأنها “تحول كبير” في السياسة الصناعية، تؤكد أن إدارة ترمب تنظر إلى سباق الموارد كقضية أمن قومي من الدرجة الأولى.
ورقة الضغط الصينية التي أربكت العالم
تكمن أهمية هذه التحركات في أن المعادن النادرة أصبحت عصب الصناعات التكنولوجية المتقدمة، من الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية إلى الصناعات الدفاعية. وقد ظهرت خطورة الاعتماد على مصدر واحد بوضوح بعد فرض الصين قيود التصدير المشددة مطلع الشهر الجاري، وهي خطوة اعتبرها ترمب “عدائية وغير مسبوقة”.
رد الفعل الأمريكي كان عنيفًا، حيث هدد ترمب بفرض رسوم إضافية بنسبة 100%، ووضع ضوابط على تصدير البرمجيات، وصولًا إلى التلويح بإلغاء لقاء القمة مع شي جين بينغ. لم يقتصر القلق على واشنطن، بل دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدعوة الاتحاد الأوروبي لاستخدام أقوى أدواته التجارية، وهيمن الملف على اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين.
أمام هذا التصعيد، سارعت بكين لاحتواء الموقف، وعقدت اجتماعًا موسعًا مع الشركات الأجنبية لطمأنتها بأن الضوابط الجديدة لا تهدف لتقييد التجارة، بل لضمان استقرار سلاسل التوريد العالمية.
البرازيل.. الحليف المحتمل القادم؟
يشير نمط التحرك الأمريكي إلى أن اتفاق ماليزيا لن يكون الأخير. وتبرز البرازيل كمرشح قوي لاتفاق قريب، حيث تمتلك ثاني أكبر احتياطي من المعادن النادرة بعد الصين، بالإضافة إلى قربها الجغرافي من الولايات المتحدة. ويرى محللون أن هذا الملف قد يكون مدخلًا للرئيس لولا دا سيلفا لحل خلافاته التجارية مع إدارة ترمب.
تهدئة مؤقتة أم فك ارتباط استراتيجي؟
على الرغم من هذه الاتفاقات المتعددة، تدرك واشنطن أنها لا تستطيع الاستغناء عن الصين على المدى القصير، فبكين تهيمن على أكثر من 85% من قدرة المعالجة العالمية. لهذا السبب، كان ملف المعادن النادرة حاضرًا بقوة في المفاوضات التمهيدية لقمة ترمب-شي، والتي أسفرت عن “توافق أولي” وتوقعات بتأجيل بكين للقيود لمدة عام.
في المحصلة، يبدو أن الطرفين يتجهان لتهدئة مؤقتة، لكن الإدارة الأمريكية الحالية مصممة على المضي قدمًا نحو تحقيق ما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت بأنه ليس فصلًا كاملًا عن اقتصاد الصين، بل “فك الارتباط الاستراتيجي” في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها المعادن النادرة.









