مهرجان الجونة السينمائي: تقييم الدورة الثامنة ورؤية للمستقبل
ماريان خوري تكشف كواليس القفزة النوعية للمهرجان وتوضح أسباب نقل العروض للقاهرة والجدل حول حفل الافتتاح

في تقييم صريح لأداء مهرجان الجونة السينمائي في دورته الثامنة، كشفت المدير الفني ماريان خوري عن تحقيق “قفزة نوعية” على كافة المستويات، رغم التحديات المحيطة. وأعلنت خوري عن نسبة رضا تصل إلى 70% عن المنجز هذا العام، معتبرة أن النسبة المتبقية يمكن استكمالها عبر فعاليات ممتدة، في إشارة إلى نضج الرؤية التي تتجاوز أيام المهرجان المحدودة.
وأوضحت خوري في حديثها لـ”الشرق” أن التحضيرات استغرقت عامًا كاملًا، وهو ما يعكس حجم الجهد المبذول في البرمجة والتمويل ومشروعات السوق. هذا الامتداد الزمني في التجهيز يشير إلى تحول في منهجية العمل داخل المهرجان، حيث يتم التعامل مع كل دورة كمشروع متكامل يحتاج إلى تخطيط دقيق ومسبق، بعيدًا عن الحلول اللحظية التي قد تفرضها الظروف.
وفيما يتعلق بالميزانية، أكدت ماريان خوري أنها لم تختلف كثيرًا عن الدورات السابقة، لكن التأثير كان أعمق وأوسع نطاقًا. واستشهدت بالمثل الشعبي “على قد لحافك مد رجليك”، للتأكيد على أن إدارة المهرجان تعتمد على استثمار مدروس للموارد المتاحة، وهو ما يفسر القدرة على تنظيم فعاليات كبرى مثل معرض مئوية يوسف شاهين وتكريم يسرا، دون تجاوز الإمكانيات المالية.
توثيق الذاكرة.. مهمة تتجاوز العروض
أحد أبرز ملامح الدورة الثامنة كان التركيز على التوثيق السينمائي، وهي مهمة تتبناها خوري بشكل شخصي. فمعرض “باب الحديد” لم يكن مجرد احتفالية عابرة، بل محطة أولى ستنتقل إلى فرنسا، بينما جاء معرض “50 سنة يسرا” ليقدم رؤية مختلفة. هذا التوجه يضع المهرجان في مصاف المؤسسات الثقافية التي لا تكتفي بالعرض، بل تسعى لحفظ وتأريخ الذاكرة الفنية العربية.
وقالت خوري: “أنا مشغولة جدًا بفكرة التوثيق… لأننا نعيش مع الذاكرة بقدر ما نصنع الحاضر”. هذا التصريح يكشف عن فلسفة المهرجان في ربط الأجيال الجديدة بتاريخ السينما المصرية والعربية، وتوثيق لحظات فارقة مثل مسيرة السينما الفلسطينية، مما يمنح المهرجان عمقًا ثقافيًا يتجاوز بريق السجادة الحمراء.
توازنات البرمجة والتعامل مع الجدل
ردًا على استضافة عروض خاصة لأفلام مصرية قبل طرحها تجاريًا، شددت خوري على أن هذه الخطوة لا تؤثر على أفلام المسابقات، بل تهدف إلى إرضاء كافة الأذواق. فالمهرجان يسعى لتحقيق توازن دقيق بين جمهوره النخبوي الذي يبحث عن السينما الفنية، والجمهور العام الذي يتوق لمشاهدة أحدث الإنتاجات التجارية، وهو ما يعكس مرونة البرمجة وقدرتها على مخاطبة شرائح متنوعة.
أما عن الجدل الذي أثارته فقرة الفنان طه الدسوقي في حفل الافتتاح، اعتبرت خوري أن “الجدل هو الذي يصنع الفارق ويدفعنا للأمام”. هذا التعليق ينم عن رؤية إدارية لا تخشى النقد، بل تراه محفزًا للتطوير والبحث الدائم عن الأفضل، وهي سمة المهرجانات الكبرى التي تتفاعل مع محيطها ولا تعمل في فراغ.
كما كشفت عن مشاركتها في وضع أفكار حفل الافتتاح، مبررة قرار عدم عرض الفيلم الافتتاحي في نفس الليلة بمنحه فرصة مشاهدة أفضل في اليوم التالي، بعيدًا عن إرهاق الحفل الطويل. وأشادت بمشاركة الإعلامي أنس بوخش، الذي أضفى “لمسة إنسانية” ونجح في الوصول للجمهور المصري، مما يؤكد توجه المهرجان نحو الانفتاح على التجارب العربية الناجحة.
من الجونة إلى قلب القاهرة
كان قرار نقل عروض الأفلام إلى القاهرة بمبادرة شخصية من خوري، التي رأت أنه “حرام أن يشاهد هذا البرنامج الرائع جمهور محدود في الجونة فقط”. هذه الخطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا يهدف إلى كسر الطابع النخبوي للمهرجان، وإتاحة كنوزه السينمائية لجمهور أوسع في العاصمة، ممن قد تمنعهم ظروف السفر من الحضور.
وفي سياق متصل، جاء حضور النجمة العالمية كيت بلانشيت ليعطي “دفعة رمزية قوية”، منسجمًا مع الطابع الإنساني الذي تبنته الدورة. وعلى الصعيد المحلي، كان اختيار الفنانة ليلى علوي لرئاسة لجنة التحكيم لأول مرة قرارًا لافتًا، حيث بررت خوري ذلك بتاريخها السينمائي الطويل وخبرتها الواسعة، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في الكفاءات المصرية والعربية لقيادة المحافل الدولية.
وختامًا، اعتبرت خوري أن المشاركة المصرية الكبيرة هذا العام كانت نتاج توازنات التوزيع وبرمجة المهرجانات، مؤكدة أن مهرجان الجونة السينمائي “يتقدم بخطى واثقة ويواصل بناء شخصيته الخاصة” في منطقة مميزة بين المهرجانات العربية، ليثبت أنه ليس مجرد حدث سنوي، بل مشروع ثقافي متكامل له رؤية وهوية واضحة.









