عقوبات واشنطن تربك سوق النفط وشركات صينية تلغي مشتريات روسية
تداعيات العقوبات الأمريكية: شركات صينية كبرى توقف شراء النفط الروسي وتغيرات مرتقبة في خريطة الطاقة العالمية

في خطوة مفاجئة هزت أسواق الطاقة العالمية، ألغت شركات صينية حكومية كبرى صفقات لشراء النفط الخام الروسي المنقول بحراً. يأتي هذا القرار كرد فعل مباشر على حزمة عقوبات أمريكية جديدة استهدفت عمالقة قطاع الطاقة في موسكو، مما ينذر بتغيرات عميقة في خريطة الإمدادات العالمية.
تفاصيل القرار الصيني
قررت شركات صينية مملوكة للدولة، وفي مقدمتها عملاق التكرير “سينوبك” (Sinopec)، التراجع عن جزء من مشترياتها من النفط الروسي المنقول عبر الناقلات. جاء التحرك بعد تقييم دقيق للقيود التي فرضتها الولايات المتحدة مؤخراً على شركتي “روسنفت” و”لوك أويل”، وهما من أكبر منتجي النفط في روسيا.
وبحسب مصادر مطلعة، بدأت شركات النفط الصينية الكبرى في مراجعة التزاماتها في ضوء الإجراءات الأمريكية، التي تزامنت مع قيود مماثلة من الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، أوقفت هذه الشركات شراء بعض الشحنات الفورية، وتحديداً من خام “إسبو” (ESPO) الذي يتم شحنه من أقصى شرق روسيا.
اضطراب يضرب سوق النفط العالمية
أحدثت موجة العقوبات الأمريكية الأخيرة تقلبات حادة في سوق النفط العالمية خلال الأسبوع الماضي، حيث تهدف واشنطن من خلالها إلى زيادة الضغط الاقتصادي على موسكو لإنهاء عملياتها العسكرية في أوكرانيا. وقد انعكس هذا التوتر بشكل مباشر على أسعار النفط، التي شهدت قفزة ملحوظة يوم الخميس الماضي.
اتجهت عقود خام برنت المستقبلية، المؤشر القياسي العالمي، نحو تحقيق مكاسب أسبوعية تتجاوز 7%، في دلالة واضحة على قلق المستثمرين من تأثر إمدادات الطاقة. وفيما امتنعت شركات “سينوبك” و”تشاينا تشنهوا أويل” و”سينوكيم غروب” عن التعليق الرسمي، فإن تداعيات قراراتها بدأت تظهر بوضوح في الأسواق.
مواقف سياسية وتحركات دبلوماسية
من جانبها، أعلنت بكين رفضها للخطوة الأمريكية، حيث صرح متحدث باسم وزارة الخارجية بأن “الصين تعارض دائماً العقوبات الأحادية الجانب التي لا تستند إلى أساس في القانون الدولي”. يعكس هذا الموقف التوتر الكامن في العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، والذي يتجاوز مجرد الصفقات التجارية.
ومن المتوقع أن تكون قضية مشتريات الصين من النفط الروسي على رأس جدول أعمال القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي ونظيره الصيني في كوريا الجنوبية الأسبوع المقبل. ويمثل هذا الاجتماع فرصة حاسمة لمناقشة الخلافات التجارية والجيوسياسية بين البلدين في ظل الأوضاع العالمية الراهنة.
ماذا عن البدائل والتدفقات المستمرة؟
تستورد الشركات الصينية الحكومية ما يزيد على 400 ألف برميل يومياً من النفط الروسي المنقول بحراً، وهو ما يمثل نحو 40% من إجمالي الشحنات البحرية الروسية. لكن هذا الرقم لا يشمل الكميات الضخمة التي تواصل روسيا ضخها براً عبر شبكة خطوط الأنابيب، والتي تبدو في مأمن نسبي من العقوبات.
ويرى محللون أن تدفقات خطوط الأنابيب ستستمر على الأرجح، لأن آليات الدفع الخاصة بها تتم في الغالب عبر اتفاقيات قروض ثنائية لا تمر عبر النظام المصرفي الغربي المستهدف بالعقوبات. ومع ذلك، من المرجح أن تتراجع التدفقات الإجمالية إلى الصين، وكذلك إلى الهند، وهي مشترٍ رئيسي آخر بدأ يبحث عن بدائل.
أمام هذا الواقع، قد تضطر الشركات الصينية إلى البحث عن بدائل نفطية من الشرق الأوسط وغرب أفريقيا، رغم ارتفاع أسعارها، أو اللجوء إلى خيارات أخرى مثل تقليص معدلات تشغيل المصافي. ويمثل هذا التحول تغييراً جذرياً في استراتيجية الغرب، الذي كان يركز سابقاً على وضع سقف للأسعار بدلاً من الحظر المباشر.
مستقبل الأسعار وردود الفعل الروسية
على الرغم من الارتفاع الأخير، لا تزال أسعار خام برنت منخفضة بنحو 12% منذ بداية العام، وسط مخاوف من أن تؤدي زيادة الإمدادات من تحالف أوبك+، الذي تشارك فيه روسيا، إلى حدوث فائض في المعروض العالمي.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد بررت فرض العقوبات على شركتي النفط الروسيتين باتهام موسكو بـ”عدم إبداء التزام جاد بعملية السلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا”. ورداً على ذلك، قلل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تأثيرها، قائلاً إنها “ستكون لها عواقب وخيمة، لكنها لن تؤثر بشكل كبير على رفاهنا الاقتصادي”، مشيراً إلى أن أمام موسكو شهراً للاستعداد قبل دخولها حيز التنفيذ الكامل.









