الذهب يحلق قرب مستويات قياسية متجاهلاً التفاؤل العالمي
لماذا يواصل الذهب صعوده الصاروخي رغم هدوء التوترات العالمية؟ تحليل عميق لأداء المعادن الثمينة

يواصل الذهب رحلة صعوده مقتربًا من مستويات قياسية جديدة، في أداء لافت يتحدى مؤشرات التفاؤل التي تسود الأسواق العالمية. يأتي هذا الصمود رغم تزايد الآمال بقرب انتهاء الإغلاق الحكومي الأمريكي وتراجع حدة التوترات التجارية بين واشنطن وبكين، مما يطرح تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء قوة المعدن الثمين.
خلال تعاملات الإثنين، قفزت أسعار الذهب بنسبة ملحوظة بلغت 3.1%، لتصل إلى ذروة 4,381.52 دولار للأونصة. ورغم هذا الأداء القوي، تشير المؤشرات الفنية، وعلى رأسها مؤشر القوة النسبية، إلى أن موجة الصعود الحالية التي انطلقت في أغسطس ربما تكون قد وصلت إلى مرحلة التشبع، وهو ما قد ينذر بتصحيح سعري محتمل على المدى القصير.
ويعكس هذا التباين بين حركة السعر والمؤشرات الفنية حالة من الحذر تسيطر على المستثمرين الذين يقيّمون بعناية آخر تطورات الحرب التجارية. فبينما صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن بلاده “ستكون بخير” مع بكين، وهو ما يمهد لعودة المفاوضات، إلا أنه عاد ليجدد تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية إذا لم يتم التوصل لاتفاق بحلول الأول من نوفمبر، مما يبقي على حالة عدم اليقين التي تغذي الطلب على الملاذات الآمنة.
عام استثنائي للمعادن الثمينة
يأتي الأداء الحالي للذهب ضمن سياق عام استثنائي شهدته أسعار المعادن الثمينة. فقد سجل المعدن الأصفر مكاسب للأسبوع التاسع على التوالي، لترتفع أسعاره بأكثر من 65% منذ بداية عام 2025. هذا الصعود لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى مجموعة من العوامل الداعمة التي خلقت بيئة مثالية لازدهاره.
تتمثل هذه العوامل في توجهات هيكلية عميقة في الاقتصاد العالمي، أبرزها:
- مشتريات قوية ومنتظمة من البنوك المركزية حول العالم لتعزيز احتياطياتها.
- تدفقات استثمارية كبيرة إلى صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب.
- الطلب المتزايد على الملاذات الآمنة في ظل التوترات الجيوسياسية والتجارية.
- مخاوف متنامية من ارتفاع مستويات الدين العام العالمي.
- الضغوط التي تواجه استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وسياساته النقدية.
ولم تقتصر المكاسب على الذهب وحده، بل امتدت إلى الفضة التي حققت أداءً أفضل، حيث قفزت أسعارها بأكثر من 80% هذا العام. ويعود ذلك إلى نفس العوامل التي دعمت الذهب، بالإضافة إلى عامل حاسم تمثل في نقص تاريخي في المعروض داخل سوق لندن، أحد أهم مراكز تداول الفضة في العالم.
تقلص الفجوة بين أسواق لندن ونيويورك
أدى شح الإمدادات في لندن إلى تداول أسعار الفضة المرجعية عند مستويات أعلى من العقود الآجلة في نيويورك، وهو فارق دفع المتداولين إلى شحن كميات من المعدن إلى العاصمة البريطانية. ورغم أن الفجوة السعرية بين السوقين تقلصت من 3 دولارات إلى حوالي دولار واحد للأونصة، إلا أنها لا تزال تعكس وجود اختلالات في العرض والطلب.
وفي أحدث التعاملات صباح اليوم بتوقيت سنغافورة، ارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.3% ليصل إلى 4,368.70 دولار للأونصة، بالتزامن مع تراجع مؤشر بلومبرغ للدولار بنسبة 0.1%. فيما استقرت أسعار الفضة بعد ارتفاعها بنسبة 1% يوم الإثنين، بينما سجل البلاتين صعودًا واستقر البلاديوم.









