المعادن النادرة: نقطة ضعف أمريكا في مواجهة الهيمنة الصينية

في قلب الصراع الجيوسياسي المتصاعد، يبرز قطاع التصنيع الأمريكي كنقطة ضعف واضحة بعد عقود من التنازل عن أنشطة التعدين والإنتاج الحيوية للصين. هذه الاستراتيجية، التي كانت تهدف يومًا ما لخفض التكاليف وتعظيم الأرباح، كشفت عن ثغرة استراتيجية تتطلب الآن تدخلًا حكوميًا قويًا لتأمين سلسلة التوريد الصناعية.
يأتي التهديد الصيني بقطع إمدادات المعادن النادرة، التي تدخل في كل شيء من السيارات والطائرات إلى الأجهزة الإلكترونية، كتذكير حاد بأن فترة السلام التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي قد تم استغلالها بشكل منهجي من قبل بكين. لقد انقلب السعي نحو الكفاءة العالمية، الذي تسارع مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، ليصبح سلاحًا في يدها، كاشفًا عن لعبة طويلة الأمد استنزفت حيوية القاعدة الصناعية الأمريكية.
بينما كانت الصين تبني هيمنتها العالمية بصبر، كانت الولايات المتحدة تستمتع بفوائد قصيرة المدى مثل انخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة شبه الصفرية. لم تستيقظ واشنطن على خطورة انهيار قطاع التصنيع إلا بعد أن هزت جائحة كورونا أسس الاقتصاد العالمي، وكشفت عن مدى هشاشة الاعتماد على خصم استراتيجي.
إن إعادة بناء الصناعة الأمريكية تتطلب الآن جهودًا استثنائية. وقد اعترف جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك “جيه بي مورغان تشيس”، بأن “الوقت لم يعد في صالحنا”، معلنًا عن مبادرة للأمن والمنعة باستثمار 1.5 تريليون دولار على مدى عشر سنوات في قطاعات حيوية مثل التعدين والطاقة والتصنيع، بما في ذلك المعدات العسكرية والأدوية.
لغز المعادن النادرة
يتجسد هذا التهديد بوضوح في سلسلة توريد العناصر الأرضية النادرة. هذه المعادن ليست نادرة بالمعنى الحرفي، لكنها موزعة بتركيزات منخفضة في القشرة الأرضية، مما يجعل استخراجها عملية معقدة ومكلفة. كما أن عملية تنقيتها تتضمن استخدام مواد كيميائية ضارة بالبيئة، وهو ما تجنبته الدول الغربية لعقود.
استغلت الصين هذا الوضع ببراعة، فبينما كان العالم منشغلًا بقضايا أخرى، أحكمت بكين سيطرتها تدريجيًا على كامل سلسلة توريد المعادن النادرة. لم يكن هذا ليثير قلقًا كبيرًا لولا الموقف الصيني الداعم لروسيا في حربها على أوكرانيا، وتحالفها المتنامي مع إيران، مما حول الهيمنة الاقتصادية إلى ورقة ضغط سياسية تهدد الأمن القومي الأمريكي مباشرة.
من خلال الدعم الحكومي الضخم، والتساهل مع معايير البيئة والعمالة، تمكنت الصين من إغراق السوق بمنتجات منخفضة التكلفة، مما أدى إلى إفلاس المنتجين الأمريكيين. في ذلك الوقت، لم يدافع الكثيرون عن وظائف التعدين والإنتاج المحلي، حيث اعتبرت جزءًا من “الاقتصاد القديم” غير المرغوب فيه.
لا يقتصر الخطر على التعدين فقط، بل يمتد إلى قطاع الطاقة المتجددة. ففي الوقت الذي يدفع فيه البعض نحو التخلص السريع من النفط والغاز، تتجه الأنظار إلى بدائل مثل توربينات الرياح والألواح الشمسية، وهي قطاعات تهيمن عليها الصين بشكل شبه كامل، مما ينذر بتكرار نفس الخطأ الاستراتيجي.
محاولات لاستعادة السيطرة
لحسن الحظ، بدأت الولايات المتحدة جهودًا حثيثة لبناء سلسلة توريد محلية متكاملة للمعادن الأرضية النادرة، من المنجم إلى المنتج النهائي. لكن هذه العملية قد تستغرق عامين على الأقل بالوتيرة الحالية، وهو ما يتطلب تسريعًا كبيرًا عبر دعم حكومي إضافي.
في هذا السياق، أبرمت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) صفقة مهمة مع شركة “إم بي ماتيريالز” للتعدين، لا تتضمن فقط دعمًا ماليًا، بل تضع حدًا أدنى للأسعار لمنع الصين من استخدام الإغراق كسلاح. هذا النهج، رغم تعارضه مع مبادئ السوق الحرة، يبدو ضروريًا لكسر قبضة بكين الاحتكارية.
تمتد هذه الجهود لتشمل حلفاء مثل كندا وأستراليا والمكسيك، لتطوير مشاريع تعدين جديدة. وتعد مبادرات إدارة ترامب السابقة، مثل بناء طريق في ألاسكا لفتح منطقة تعدين نائية، والاستحواذ على حصص في شركات تعدين كندية، دليلًا على أن هذا التوجه يحظى بإجماع يتجاوز الانقسامات الحزبية.
نهج حكومي محفوف بالمخاطر
رغم ذلك، فإن هذا التدخل الحكومي لا يخلو من مخاطر. فالضغط الذي مارسه الرئيس السابق دونالد ترامب على شركات مثل “إنتل” و”يو إس ستيل” للتنازل عن حصص للحكومة يمثل سابقة غير صحية، تخلط بين ضرورات الأمن القومي والترهيب الاقتصادي، وهو ما يعارضه كثيرون ممن انتقدوا خطة إنقاذ صناعة السيارات عام 2008.
إن الحاجة لتطوير مشاريع المعادن النادرة واضحة، حيث يمكن للصين شل مصانع السيارات الأمريكية بقرار واحد. لكن يجب أن يكون أي دعم حكومي أو حصص ملكية مؤقتة، مع وضع استراتيجية خروج واضحة بمجرد زوال الخطر. إن المأزق الحالي يجب أن يكون درسًا قاسيًا حول مخاطر تسليم مفاتيح قطاعات حيوية، مثل الطاقة المتجددة، إلى خصم استراتيجي.









