عرب وعالم

صفقة غزة المفاجئة: كيف حوّل ترامب مسار الحرب بأسلوبه الخاص؟

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

في تحول دراماتيكي لمسار الأحداث، أُعلن عن اتفاق سلام في غزة بدا قبل أسابيع مجرد حلم بعيد المنال. فبعد أن كادت غارة جوية إسرائيلية على الدوحة أن تشعل حربًا إقليمية، تحولت هذه اللحظة الفارقة إلى مفتاح لإنهاء الصراع، بفضل دبلوماسية غير تقليدية قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

من شفير الهاوية إلى طاولة المفاوضات

كانت الأجواء مشحونة بالتوتر في 9 سبتمبر، حين اخترقت طائرات إسرائيلية سماء الدوحة مستهدفة فريقًا تفاوضيًا من حماس. لم يكن هذا مجرد تصعيد عسكري، بل انتهاكًا صارخًا لسيادة قطر، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، مما وضع المنطقة بأكملها على حافة الانفجار، وبدا أن كل الجهود الدبلوماسية قد انهارت.

لكن ما حدث بعد ذلك كان أشبه بمعجزة سياسية. فبدلاً من أن تؤدي الغارة إلى حرب شاملة، أصبحت هي الشرارة التي دفعت جميع الأطراف نحو اتفاق تاريخي، أعلنه دونالد ترامب بنفسه، يقضي بالإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين المتبقين لدى حماس، وهو الهدف الذي سعى إليه هو وسلفه جو بايدن لعامين كاملين.

هذا الاتفاق ليس نهاية المطاف، بل هو مجرد خطوة أولى نحو سلام مستدام. فلا تزال تفاصيل شائكة مثل نزع سلاح حماس، ومستقبل حكم غزة، والانسحاب الإسرائيلي الكامل قيد التفاوض. ولكن إذا صمد، فقد يُسجل كأبرز إنجازات ولاية ترامب الثانية، وهو إنجاز عجز عنه بايدن وفريقه.

بصمة ترامب.. دبلوماسية الضغط والعلاقات الشخصية

يبدو أن أسلوب ترامب الفريد، الذي يمزج بين العلاقات الشخصية والضغط المباشر، كان له دور حاسم. ففي الوقت الذي كانت فيه عوامل أخرى خارج سيطرة أي زعيم تلعب دورها، استطاع ترامب أن يوظف أوراقه ببراعة لتحقيق هذا الاختراق الدبلوماسي غير المسبوق.

علاقة مع نتنياهو.. لم يمتلكها بايدن

لطالما تباهى ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعلاقتهما الوثيقة. فترامب يصف نفسه بأنه “أفضل صديق لإسرائيل”، بينما وصفه نتنياهو بأنه “أعظم حليف لإسرائيل في البيت الأبيض”. هذه العلاقة لم تكن مجرد كلمات، بل ترجمت إلى أفعال جريئة كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودعم قصف المنشآت النووية الإيرانية.

هذا الدعم المطلق منح ترامب نفوذًا هائلاً خلف الكواليس لممارسة ضغوط لم يجرؤ عليها غيره. فبحسب التقارير، ضغط مفاوضه ستيف ويتكوف بقوة على نتنياهو في أواخر 2024 لقبول وقف مؤقت لإطلاق النار. وحين استهدفت إسرائيل كنيسة في سوريا، لم يتردد ترامب في إجباره على تغيير مساره.

على النقيض، كانت علاقة بايدن بنتنياهو أكثر توترًا، حيث اعتمد على استراتيجية “الاحتضان العلني” أملًا في تعديل سلوك إسرائيل سرًا، وهو ما لم يؤتِ ثماره في ظل الانقسامات الحادة داخل حزبه الديمقراطي. لقد منحت قاعدة ترامب الجمهورية الصلبة مساحة للمناورة لم يتمتع بها بايدن قط.

ضمان دعم الخليج.. مفتاح الحل

كانت الغارة الإسرائيلية على الدوحة هي القشة التي قصمت ظهر البعير. فالهجوم الذي أسفر عن مقتل مواطن قطري، دفع ترامب إلى إصدار إنذار نهائي لنتنياهو: “الحرب يجب أن تتوقف”. فرغم سماحه لإسرائيل بهامش واسع من الحركة، كان الهجوم على حليف خليجي خطًا أحمر.

علاقات ترامب القوية بدول الخليج، من السعودية إلى الإمارات وقطر، والتي عززتها الاتفاقيات الإبراهيمية، لعبت دورًا محوريًا. فزياراته للمنطقة هذا العام، والتي استثنى منها إسرائيل، جعلته يستمع مباشرة للدعوات العربية الملحة بإنهاء الحرب، مما غير من نظرته للصراع.

وبعد أقل من شهر على غارة الدوحة، كان العالم يشاهد نتنياهو وهو يتصل شخصيًا بقطر لتقديم اعتذار رسمي. وفي نفس اليوم، وقع على خطة ترامب للسلام المكونة من 20 نقطة، والتي حظيت بدعم إسلامي واسع، مما ضمن التزام حماس بالاتفاق عبر وسطاء إقليميين.

أوروبا تدخل على الخط.. والعالم يفرض كلمته

لم يكن الضغط أمريكيًا وعربيًا فقط. فالإدانة العالمية للدمار الهائل في غزة، والذي أودى بحياة أكثر من 67 ألف فلسطيني، خلقت عزلة دولية غير مسبوقة لحكومة نتنياهو. لقد وصلت الكارثة الإنسانية إلى مستوى دفع حلفاء إسرائيل التقليديين إلى تغيير مواقفهم.

قادت فرنسا، بقيادة إيمانويل ماكرون، تحركًا أوروبيًا جريئًا، حيث أعلنت دول كبرى أنها لم تعد قادرة على دعم الموقف الأمريكي الأعمى لإسرائيل، خاصة بعد سيطرتها على إمدادات الغذاء. هذا الانقسام التاريخي مع الحلفاء الأوروبيين، واعتراف دول مثل فرنسا وبريطانيا بدولة فلسطينية، وضع ترامب أمام خيار صعب.

في النهاية، وجد ترامب نفسه بين تحالف أوروبي-عربي يسعى لحل دبلوماسي، وبين اليمين الإسرائيلي المتطرف. فاختار الوقوف إلى جانب أصدقائه في الخليج، وتبنى خطة السلام الفرنسية-السعودية كنواة لخطته، والتي تضمنت إشارة مشروطة إلى “دولة” فلسطينية، وهو ما يمثل تحولًا كبيرًا.

أسلوب الصدمة.. كيف نجح ترامب فيما فشل فيه الآخرون؟

لا يزال أسلوب ترامب غير التقليدي قادرًا على إحداث المفاجآت. بدأ ولايته الثانية باقتراح صادم بتحويل غزة إلى “منتجع دولي” بعد تهجير سكانها، مما أثار غضب العالم. لكن هذا كان مجرد تكتيك تفاوضي، فخطة السلام النهائية لم تكن بعيدة عما كان يسعى إليه بايدن وحلفاء أمريكا.

لقد سلك ترامب مسارًا فوضويًا وغير متوقع لتحقيق نتيجة تقليدية. استخدم التهديد والضغط والعلاقات الشخصية، واستغل شعبيته في إسرائيل التي تفوق شعبية نتنياهو نفسه. قد لا تكون هذه هي الدبلوماسية التي تدرس في الكتب، لكنها في هذه اللحظة الحرجة، أثبتت فعاليتها.

الآن، وبموجب اتفاق سلام غزة، ستفرج إسرائيل عن أكثر من 1000 أسير فلسطيني وتنسحب جزئيًا من القطاع، مقابل إفراج حماس عن جميع الأسرى المتبقين لديها. ولأول مرة منذ أشهر طويلة، أصبح من الممكن تصور نهاية للحرب التي حولت غزة إلى ركام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *