فورة الذكاء الاصطناعي تشعل وول ستريت وتقود الأسهم لمستويات قياسية

في مشهد يعكس حالة الزخم التي تسيطر على الأسواق العالمية، دفعت موجة صعود قوية في أسهم شركات الرقائق الإلكترونية مؤشرات وول ستريت إلى مستويات قياسية جديدة. الشرارة هذه المرة كانت صفقة بين عملاق التكنولوجيا (AMD) وشركة (OpenAI)، والتي أضافت وقوداً جديداً إلى فورة الذكاء الاصطناعي التي باتت المحرك الرئيسي لصعود الأسهم الأمريكية، في مقابل تراجع السندات وارتفاع الدولار.
مع اقتراب السوق الصاعدة من ذكراها السنوية الثالثة، لا يظهر الزخم أي علامات على التراجع، حيث واصل مؤشر “إس آند بي 500” رحلة صعوده للجلسة السابعة على التوالي، في أطول موجة مكاسب له منذ مايو. هذا الصعود الجماعي قادته أسهم أشباه الموصلات، التي ارتفع مؤشرها الرئيسي بنحو 3%، حتى مع تراجع سهم العملاق “إنفيديا” بشكل طفيف.
صفقة AMD تشعل حماس وول ستريت
قفز سهم “أدفانسد مايكرو ديفايسز” (AMD) بنسبة هائلة بلغت 24%، ليجسد حجم التفاؤل الذي أحدثته الصفقة الأخيرة في قطاع مراكز البيانات. وتأتي هذه الصفقة في أعقاب إعلان “إنفيديا” قبل شهر عن خططها لاستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في “أوبن إيه آي”، مما يؤكد الطلب النهم على القدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيل أدوات مثل “تشات جي بي تي”.
يقول لويس نافالييه من شركة “نافالييه آند أسوشيتس”: “شركات أشباه الموصلات مشتعلة، وسردية الذكاء الاصطناعي تواصل اكتساب الزخم”. هذا الحماس المتجدد جعل المستثمرين، بحسب مات مالي من “ميلر تاباك”، يتجاهلون إلى حد كبير قضايا أخرى مثل احتمالية إغلاق الحكومة الأميركية، ويوجهون تركيزهم بالكامل نحو الفرص التي تخلقها هذه الثورة التكنولوجية.
هل يعيد التاريخ نفسه؟ مخاوف من فقاعة جديدة
مع كل طفرة تكنولوجية كبرى، تظهر المقارنات التاريخية، والوضع الحالي ليس استثناءً. علت التحذيرات من أن السوق قد تشهد فقاعة مضاربية تضاهي فقاعة الدوت كوم في أواخر التسعينيات، والتي انتهت بانهيار مدوٍ. لكن العديد من الخبراء يرون أن الوضع مختلف هذه المرة، وأن المخاوف نفسها أصبحت ظاهرة تستحق التحليل.
المحلل المخضرم إد يارديني، مؤسس “يارديني ريسيرش”، يقدم رؤية مغايرة، فيقول: “عندما تضخمت فقاعة التكنولوجيا عام 1999، لا نذكر وجود أحاديث كثيرة عن فقاعة كما نسمع اليوم. ومن منظور معاكس، من المطمئن أن هناك فقاعة في مخاوف الفقاعة نفسها”. ويشير إلى أن مؤشرات البحث عن عبارة “فقاعة الذكاء الاصطناعي” قفزت من الصفر إلى أقصى درجة في غضون أسابيع قليلة.
تقييمات مرتفعة بأساس مالي متين
الفارق الجوهري الذي يسوقه المتفائلون يكمن في طبيعة التمويل. توضح نعومي فينك من “أموفا أسيت مانجمنت” أن تقييمات قطاع التكنولوجيا المرتفعة اليوم تختلف عن “الحماسة غير العقلانية” للتسعينيات، فالنفقات الرأسمالية الضخمة حالياً تُمول من تدفقات نقدية حرة مدعومة بربحية عالية، وليس بمجرد وعود مستقبلية.
ويتفق أنتوني ساغليمبيني من “أميريبرايز” مع هذا الرأي، مضيفاً أنه بينما قد لا تحقق بعض الاستثمارات الحالية العائد المأمول، فإن حجم الصناعات التي لم تنخرط بعد في الذكاء الاصطناعي بشكل جوهري يقلل من مخاوف تكرار سيناريو فقاعة الإنترنت. السوق أوسع، واللاعبون أكثر نضجاً من الناحية المالية.
الأنظار تتجه لموسم الأرباح.. وتفاؤل حذر يسود
الكلمة الفصل الآن ستكون لموسم أرباح الربع الثالث، حيث يتوقع استراتيجيو “غولدمان ساكس” أن تتجاوز الشركات الأمريكية التوقعات بفضل الاقتصاد القوي والتفاؤل المحيط بالذكاء الاصطناعي. الأنظار ستكون موجهة بشكل خاص إلى مجموعة “العظماء السبعة” (أبل، ألفابت، أمازون، إنفيديا، ميتا، مايكروسوفت، تسلا) التي يُنتظر أن تقود الأرباح.
وكما تقول كالي كوكس من “ريثولتز ويلث مانجمنت”: “التقييمات المرتفعة ليست أمراً غير مألوف، لكن الأرباح يجب أن تتولى زمام قيادة الارتفاع لتستمر الموجة الصعودية”. يبدو أن السوق في مرحلة “صعود ذاتي التعزيز”، حيث الأرباح القوية تدفع الأسعار لأعلى، مما يجذب المزيد من المستثمرين، لكن الخبراء يحذرون من أن تصحيحاً طفيفاً قد يكون صحياً لإعادة ضبط التوقعات وتهيئة فرص أفضل على المدى الطويل.









