الدستورية العليا تحسم الجدل: لا معاش لمن يملك دخلاً وتؤكد أن التأمين الاجتماعي ليس إرثًا

بقرار يلامس حياة آلاف الأسر المصرية، أسدلت المحكمة الدستورية العليا الستار على جدل قانوني واجتماعي طويل، مؤكدةً على المبدأ الأساسي لنظام التأمينات: الحماية لمن يحتاجها. فقد قضت المحكمة برفض الطعن الذي كان يهدف لإلغاء وقف المعاش عن المستحقين الذين يلتحقون بعمل يوفر لهم دخلاً كافيًا، لترسخ بذلك فلسفة الدولة في أن العمل حق وواجب.
تفاصيل الحكم التاريخي
في جلستها المنعقدة صباح السبت برئاسة المستشار بولس فهمي إسكندر، نظرت المحكمة في دستورية نص حيوي يمس شريحة واسعة من المواطنين. النص المطعون عليه هو البند (1) من المادة (111) من قانون التأمين الاجتماعي رقم 79 لسنة 1975، والذي ينص على وقف المعاش في حال حصول المستحق على دخل مساوٍ للمعاش أو يزيد عليه من عمل آخر، مع صرف الفارق إذا كان الدخل أقل.
وجاء حكم المحكمة قاطعًا برفض الدعوى، مؤكدًا أن هذا النص لا يخالف الدستور، بل ينسجم مع الأهداف العليا لنظم التأمينات الاجتماعية التي تقوم على أسس التكافل والحماية وقت الحاجة، وليس على مبدأ توريث المنافع المالية.
فلسفة التشريع.. حماية لا توريث
أوضحت المحكمة في حيثيات حكمها أن المشرّع وضع نظام استحقاق المعاش بعد وفاة المؤمن عليه بناءً على دراسات دقيقة تُعرف بـ “الحسابات الاكتوارية”، وهي نماذج إحصائية ومالية تضمن استدامة الصناديق وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه جميع المستفيدين. الهدف من المعاش، خاصة للمرأة، هو توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
وأضافت المحكمة أنه عندما يتمكن المستحق من إيجاد فرصة عمل تدر عليه دخلاً يفي باحتياجاته، فإن سبب منحه المعاش -وهو الحاجة- ينتفي. وفي هذه الحالة، فإن استمرار صرف المعاش يهدر أموال التأمينات التي هي في الأساس حق جماعي لكل المشتركين، ويخل بالتوازن المطلوب بين طرفي العلاقة التأمينية.
التوازن بين الحق في المعاش وواجب العمل
شدد الحكم على أن هذا التشريع لا ينتقص من حقوق المستحقين، بل يشجعهم على الانخراط في سوق العمل، وهو ما اعتبرته المحكمة “حقًا وواجبًا” لا يجوز تعطيله. فالدولة، وفقًا للدستور، ملزمة بتوفير فرص العمل، والمواطن عليه السعي لاستغلال طاقاته وقدراته، مما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع ككل.
وبهذا، أكدت المحكمة على المبادئ الأساسية التالية التي استند إليها حكمها:
- المعاش يهدف لتوفير معيشة كريمة عند الحاجة الفعلية (كالعجز أو الشيخوخة أو البطالة).
- انتفاء علة الاستحقاق عند الحصول على دخل مساوٍ للمعاش أو يزيد عليه.
- الحفاظ على أموال التأمينات كحق جماعي للمستفيدين الحاليين والمستقبليين.
- تشجيع المستحقين القادرين على العمل والمساهمة في بناء المجتمع.









