تحول تاريخي: البنتاجون يعيد تعريف أولوياته الدفاعية نحو حماية الأراضي الأميركية

في خطوة قد تعيد رسم ملامح السياسة الدفاعية للولايات المتحدة لعقود قادمة، كشفت مجلة “بوليتيكو” عن مقترحات لمسؤولين بارزين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) تقضي بتحويل جوهري في استراتيجيتها. وتضع هذه المقترحات “حماية الأراضي الأميركية والنصف الغربي من الكرة الأرضية” في صدارة الأولويات، لتزيح بذلك التركيز التقليدي على التحديات الدولية، وعلى رأسها التهديد المتزايد من بكين الذي سيطر على الأجندة العسكرية لسنوات طويلة.
تحول جذري في أولويات البنتاجون
ووفقاً لثلاثة مصادر مطلعة على المسودات الأولية لأحدث استراتيجية للدفاع الأميركي، والتي وصلت الأسبوع الماضي إلى مكتب الوزير بيت هيجسيث، فإن الخطة الجديدة تضع المهام المحلية والإقليمية في صلب اهتمامات البنتاجون. يمثل هذا التوجه ابتعاداً ملحوظاً عن السياسات الدفاعية للإدارات السابقة، سواء الديمقراطية أو الجمهورية، بما فيها فترة الرئيس السابق دونالد ترمب التي وصفت فيها الصين بـ”المنافس الأكبر” للولايات المتحدة.
عادةً ما تُصدر هذه الوثيقة مع بداية كل إدارة رئاسية، ورغم أن وزير الحرب لا يزال يمتلك صلاحية تعديلها، إلا أن ملامح هذا التحول بدأت تظهر بوضوح على أرض الواقع. فقد أصدر البنتاجون مؤخراً أوامر بنشر الآلاف من قوات الحرس الوطني لدعم أجهزة إنفاذ القانون في لوس أنجلوس وواشنطن، كما عزز الوجود العسكري في بحر الكاريبي بإرسال سفن حربية ومقاتلات F-35 لوقف تدفق المخدرات إلى الأراضي الأميركية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أنشأ البنتاجون أيضاً منطقة عسكرية خاصة على طول الحدود الجنوبية مع المكسيك. وتتيح هذه المنطقة للقوات احتجاز المدنيين، وهو دور كان يُعد تقليدياً من مهام أجهزة إنفاذ القانون المدنية، مما يؤكد على توسع صلاحيات الجيش داخل الأراضي الوطنية.
تساؤلات حول التعهدات الأميركية
من المتوقع أن تثير هذه الاستراتيجية الجديدة ردود فعل غاضبة بين التيارات المتشددة في كلا الحزبين الأميركيين. تعتبر هذه التيارات، وفقاً لمجلة “بوليتيكو”، أن القيادة الصينية تشكل تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة ومصالحها العالمية. هذا التحول سيضع علامات استفهام كبرى حول التزامات واشنطن.
وفي هذا الصدد، أشار أحد المطلعين على مسودة الوثيقة إلى أن هذه الخطة ستشكل “تحولاً كبيراً للولايات المتحدة وحلفائها في عدة قارات”. وأضاف أن “الوعود الأميركية القديمة والموثوقة باتت الآن محل تساؤل حقيقي”، مما ينذر بعواقب واسعة النطاق على التحالفات الدولية.
تباين مع مواقف ترامب تجاه الصين
تختلف هذه الاستراتيجية بشكل جوهري عن تلك التي أطلقتها إدارة ترمب الأولى عام 2018، والتي وضعت ردع الصين في مقدمة أولويات البنتاجون. حينها، جاء في الفقرات الافتتاحية لتلك الوثيقة أن “الصين وروسيا تسعيان بشكل متزايد لتشكيل عالم يتوافق مع نموذجهما الاستبدادي”، وهو ما يعكس رؤية مختلفة تماماً.
ورغم أن هذا التحول قد يبدو متناقضاً مع المواقف الصارمة التي يتبناها ترمب تجاه بكين، فقد نقلت المجلة عن خبير جمهوري في السياسة الخارجية، فضل عدم الكشف عن هويته، قوله إن الخطة الجديدة “لا تبدو متوافقة مع المواقف المتشددة لترمب تجاه الصين“. فالرئيس السابق يواصل إطلاق تصريحات حادة ضد بكين، شملت فرض رسوم جمركية واتهام الرئيس الصيني بالتآمر ضد الولايات المتحدة.
مهندس الاستراتيجية الجديدة ورؤيته
يتولى إلبريدج كولبي، كبير مسؤولي السياسات في البنتاجون، قيادة صياغة هذه الاستراتيجية الجديدة. تجدر الإشارة إلى أن كولبي لعب دوراً محورياً في إعداد النسخة السابقة عام 2018 خلال إدارة ترمب الأولى، ويُعد من أبرز المؤيدين لسياسة أميركية “أكثر انعزالية”، حسبما ذكرت “بوليتيكو”.
وعلى الرغم من كونه ناقداً قوياً للصين، إلا أنه يتفق مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، في رغبته بفك ارتباط الولايات المتحدة عن التزاماتها الخارجية، مما يفسر التوجه الجديد للاستراتيجية. فريق كولبي مسؤول أيضاً عن مراجعة الوضع العسكري العالمي، وتحديد مواقع انتشار القوات الأميركية، بالإضافة إلى تقييم استراتيجية الدفاع الجوي والصاروخي وتقديم توصيات بشأن الأنظمة الدفاعية.
تداعيات على الحلفاء والتمويل
من المتوقع أن يعلن البنتاجون عن هذه التقارير الشهر المقبل. وقد رفض متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية التعليق على هذه المراجعات، كما لم يرد البيت الأبيض على طلب المجلة للحصول على تعليق. ومع ذلك، تشير “بوليتيكو” إلى أن الوثائق الثلاث مترابطة، وتشدد جميعها على ضرورة أن يتحمل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم، في الوقت الذي تركز فيه الولايات المتحدة جهودها على المناطق الأكثر قرباً إليها.
يثير تقرير مراجعة الوضع العسكري العالمي قلقاً خاصاً لدى الحلفاء، حيث يُخشى أن يؤدي إلى سحب القوات الأميركية من أوروبا والشرق الأوسط، فضلاً عن تقليص برامج المساعدات الأمنية الحيوية. هذا التوجه أكده مسؤول في البنتاجون ودبلوماسي أوروبي، مشيرين إلى تقرير لـ”فاينانشال تايمز” يفيد بتقليص تمويل مبادرة أمن دول البلطيق، التي كانت تمنح مئات الملايين لتعزيز دفاعات لاتفيا وليتوانيا وإستونيا.
ولطالما حظيت هذه المبادرة بدعم قوي، إذ ساهمت في شراء أسلحة أميركية الصنع وتسريع تطوير قدرات دفاعية رئيسية، مثل منظومة صواريخ HIMARS. يتوقع حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن تغادر بعض القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا، والبالغ عددها حوالي 80 ألف جندي، خلال السنوات المقبلة.
ومع ذلك، سيختلف التأثير من دولة لأخرى، وسيظل مرهوناً في النهاية بقرارات الرئيس الأميركي. فخلال زيارة الرئيس البولندي الجديد إلى البيت الأبيض الأربعاء، أكد ترمب أن الولايات المتحدة لن تسحب قواتها من وارسو، لكنه أقر بأنه يفكر جدياً في تقليص أعداد القوات في مناطق أخرى من القارة الأوروبية.









