وحوش العصر الرقمي: الفن يحاكم التقنية في بينالي ويتني
معرض 'بينالي ويتني' يكشف عن قلق مجتمعي عميق تجاه هيمنة الذكاء الاصطناعي والمراقبة على الوجود الإنساني.

لم تعد التقنية اليوم مجرد أداة واعدة بمستقبل نظيف وبراق، بل باتت تثير قلقاً عميقاً ورعباً متزايداً في الوعي الجمعي. هذا التحول الجذري في النظرة العامة يجد صداه بقوة في أروقة المعارض الفنية، وتحديداً في بينالي ويتني لهذا العام، حيث تعرض أعمال فنية تجسد ببراعة وحشية العصر التكنولوجي وتأثيره على جوهر الوجود الإنساني.
في قاعة الطابق السادس، يواجه الزائر عدسة كاميرا مراقبة مستديرة، تلمع كفقاعة صابون، مثبتة في هيكل بلاستيكي بلون الأجهزة القديمة والعظام المكشوفة. يتضمن العمل، وعنوانه “تركة (10 يوليو 2022)” للفنان كوبر جاكوبي، شاشة LED صغيرة تسجل مرور الوقت منذ وفاة الشخص موضوع العمل – ثلاث سنوات وستة أشهر و206 أيام وعشر ساعات في هذه الحالة. هذا العمل، الذي يتأرجح بين الغرابة والقداسة المزعجة، ليس سوى تعليق صادم على ما تفعله شركات التقنية الكبرى منذ سنوات: جمع بياناتنا واستخدامها لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، سواء لـ”صناعة الفن”، أو “الكتابة”، أو حتى توجيه الصواريخ.
استخدم جاكوبي نصوصاً من حسابات مبدعين متوفين على وسائل التواصل الاجتماعي، تم جمعها دون موافقتهم، ثم أدخلها في نموذج ذكاء اصطناعي توليدي، وقام أصدقاء الفنان بتسجيل الأصوات. يكشف هذا العمل عن جانب جديد من جوانب الرعب الذي يتسرب إلى الوعي العام: رعب القياس والكميّة. ففي زمن باتت فيه كل حركة وكل كلمة تُسجل وتُحلل، لم تعد الحدود بين الخصوصية والعلانية واضحة، ما يثير أسئلة وجودية حول ملكية الهوية الرقمية وما يتبقى منها بعد الموت.
لطالما ربط علماء الاجتماع التقنيات الرقمية بصفات كالشفافية والموضوعية والعقلانية والمستقبلية. كانت جماليات الألفية الجديدة، مع أجهزة الكمبيوتر الشفافة ووعود المستقبل النظيف، تجسد هذا التفاؤل. لكن بعد عقود من التحولات التكنولوجية المتسارعة، أصبح من الصعب إقناع الجمهور بأن هذه التقنيات تقودنا إلى مستقبل مشرق. ومع تزايد الوعي بعصر الرأسمالية التقنية الذي نعيشه، والذي يتسم بالمراقبة المستمرة، واستخراج البيانات، والتقنيات البيومترية المنتشرة، بدأ الفنانون في نزع القشرة المعقمة عن التكنولوجيا ليكشفوا عن الوحوش الكامنة في داخل الآلة.
في قاعة الطابق الخامس، تعرض إيزابيل فرانسيس ماكغواير عملها “من أجل الشيطان في أمريكا وشرور خفية أخرى: تجارب في النحت العام (الساحرات 1-3)”، والذي يضم ثلاثة أجسام معلقة بمساند معدنية. هذه الأجسام، التي تبدو كأقنعة موت، تم تشكيلها باستخدام مسوح طبية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لأعماق الجسم. وبما أن المسح يركز على الداخل، فإن الشكل الخارجي يبدو مشوهاً. هنا، تتلاعب ماكغواير بمسألة “النسخة المشوهة”، مستحضرة محاكمات الساحرات في سالم، ومشيرة إلى قوة القياس الرقمي الخارقة، التي تشبه “السحر الشيطاني التقني”، في طمس الحدود بين ما هو حقيقي وما هو زائف.
كاميرا المراقبة تعود للظهور في منحوتة غابرييلا رويز لعام 2026، بعنوان “هومو ماشينا” (الإنسان الآلة أو الآلة المثلية). العمل يبدو كلعبة كرنفالية، آلة من الألياف الزجاجية بلون أخضر مائل للحمأة، تتخللها شاشات ووجه صارخ متصلب بالكروم، وجنين وحش ذي ذيل في رحمها. تُعرض تغذية الكاميرا على الشاشات الموزعة بشكل متماثل على العمل، داعية المشاهد للاقتراب ليرى نفسه في “مرآة المراقبة المشوهة”. هنا، تُسجَّل صورة الذات وتُستهلك في دورة لا نهاية لها تولّد شيئاً أقل من الإنسان.
يبدو أن الفنانين، وجمهورهم على حد سواء، باتوا منشغلين بسؤال حول ما يعنيه أن تكون إنساناً. كما أشار الفيلسوف الرقمي يوك هوي، لقد مررنا بفترة طويلة في الأوساط الأكاديمية والفنية كانت أقل اهتماماً بالحدود الثابتة بين الإنسان وغير الإنسان، وأكثر انخراطاً في مسائل التشابك. لكن الظهور المفاجئ للذكاء الاصطناعي التوليدي غيّر هذا المشهد. فتشابكاتنا مع التقنيات لم تعد رومانسية كنظرية غايا – التي تفترض أن الأرض كائن حي واحد – بل أصبحت، كما يقترح هؤلاء الفنانون، تهجيناً بشعاً ومرعباً.
من الصعب ألا نفكر في هذه الأعمال الفنية في سياق شخصيات مثل “كلافيكولار”، الذي اشتهر بآرائه المتطرفة في الجمال، وبرايان جونسون، الذي يسعى للخلود. يمثل كلاهما تجسيداً لما يبدو عليه التشابك التكنولوجي حقاً: إيمان راسخ بأن المقاييس الحيوية، والقرصنة البيولوجية، والالتزام بالرؤية العلمية للجسد وكماله سيُكافأ. ومع ذلك، فإن العقلية المطلوبة للخضوع لهذه النظرة الكمية للذات متناقضة بوحشية، وتتحول بسرعة إلى العدمية. سعى جونسون لحياة أطول أصبح مصاص دماء، لدرجة أننا لو قرأنا ذلك في رواية، لانتقدنا المؤلف على المبالغة. كلافيكولار وجونسون مدفوعان بنفس الرعب التقني الجسدي الذي يحرك الفنانين، لكن آليات تكيفهما مختلفة: يندفعان نحو التكنولوجيا بأذرع مفتوحة، أملاً في النجاة. لكن من ماذا؟
ربما يكمن فهم هذا الرعب من القياس في تفاصيل حياتنا اليومية. في إحدى الأمسيات، التقيتُ عاملاً في مجال التقنية حاول إقناعي باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتاباتي. شرحتُ له أنني أستمتع بالكتابة كعملية، كطريقة لقضاء الوقت، لا كمجرد نتيجة. اعتبر هذا مضيعة للوقت، متسائلاً كيف سأنجو من عصر البطالة الجماعية القادم إذا رفضت التنازل. اقترح أن يكون الذكاء الاصطناعي متعاوناً، أو حتى قادراً على تحويل صديقة لي – مضيفة الحفل – إلى نموذج يفكر ويتحدث مثلها. تطور النقاش إلى نقطة مثيرة للقلق: “ماذا لو ماتت صديقتك؟” سأل. أجبت: “سأكون محطماً!” فأردف: “ما الذي يجعلها مميزة إلى هذا الحد؟ كيف يمكنك التأكد من أنها ليست هي، إذا بنيت هذا النموذج؟” كان ردي: “لن تكون أمامي”. “إذن الأمر يتعلق بالجسد؟” تابع، “ماذا لو صنعنا جسداً؟ هل أنت متأكد حتى من أنها موجودة؟”.
شعرت في تلك اللحظة بإحساس عميق بالغربة. لقد تحول الحديث عن كفاءة العمل إلى جوهر القضية: الفناء، الخلود، والقابلية للاستبدال. إذا كان بالإمكان قياسنا بدقة متناهية، فما الذي يمنعنا من أن نُنمذج أو نُعاد إنشاؤنا؟ ربما ليست نسخة طبق الأصل، ولكن قريبة بما فيه الكفاية؟ ليس مستغرباً أن شخصيات مثل كلافيكولار أو جونسون تتمسك بكيانها الجسدي، أملاً في تجنب التقادم من خلال احتضان الكميّة. لكن حتى هذا الحلم بالاستبدال – صديقتي كروبوت محادثة، كدمية بلا حياة – هو خيال عقيم، سيناريو خيال علمي مستقبلي. فالمستقبل لن يكون نظيفاً، أو مثالياً، أو خاضعاً للسيطرة، حتى بطريقة غريبة. سيكون بشعاً، دموياً، ومقززاً، تماماً كما يقترح الفنانون في بينالي هذا العام.









