واشنطن تسحب تأشيرات مسؤولين تشيليين وتتهمهم بـ«تقويض الأمن الإقليمي»
توتر دبلوماسي على خلفية مشروع كابل بحري صيني يربط تشيلي بهونغ كونغ

في خطوة مفاجئة أثارت صدمة في الأوساط السياسية التشيلية، أعلنت الولايات المتحدة سحب تأشيرات ثلاثة مسؤولين في الحكومة التشيلية، متهمة إياهم بـ«تقويض الأمن الإقليمي».
القرار الذي جاء كالصاعقة، لم يقتصر تأثيره على المسؤولين أنفسهم بل امتد ليشمل عائلاتهم المباشرة.
أعلن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، عن هذا القرار، ولم يفته أن يوجه انتقادات حادة لتراث الرئيس التشيلي غابرييل بوريك، مشككاً في إرثه السياسي.
روبيو، وفي بيان صحفي ثم عبر حسابه على منصة X، أكد التزام الولايات المتحدة بـ«مواجهة محاولات تقويض الأمن الإقليمي وقلب السيادة».
الخطوة الأمريكية تركت الحكومة التشيلية في حالة من الذهول لساعات طويلة، حيث لم تكن على دراية بهوية الأشخاص المتضررين. لكن سرعان ما اتضحت الأسباب الكامنة وراء هذا الإجراء الأمريكي الحاسم: قرار تشيلي ربط هونغ كونغ بالبلاد عبر كابل ألياف بصرية بحري، وهو مشروع يُفترض أن تتولى تطويره شركة «تشاينا موبايل»، عملاق الاتصالات الصيني، رغم أن الأمر لا يزال قيد التقييم.
بعد الساعة الخامسة مساءً، أكد وزير الخارجية ألبرتو فان كلافرين، من قصر لامونيدا وعقب اجتماع طارئ مع وزير الداخلية، أن أحد المسؤولين المتضررين هو وزير النقل والاتصالات، خوان كارلوس مونيوز. وأضاف أن المسؤولين الآخرين، وهما وكيل وزارة الاتصالات كلاوديو أرايا ورئيس مكتب الأخير، لم يتم إخطارهما بعد، حسبما تسرب من معلومات.
وكان وزير الخارجية قد علم بالأسماء بعد اجتماعه في مكتبه مع سفير الولايات المتحدة في سانتياغو، براندون جود، الذي استدعاه لطلب الأسماء والتعبير عن استياء الحكومة التشيلية من هذه «الخطوة الأحادية الجانب».
كما أبلغ فان كلافرين أن تشيلي قدمت مذكرة احتجاج في واشنطن عبر سفيرها خوان غابرييل فالديس. وقال: «حكومة تشيلي ترفض بأشد العبارات هذا الإجراء. إنه اتهام كاذب، فلا يمكن لأي عمل من جانب حكومة تشيلي ومسؤولي الدولة التشيلية أن يعرض الأمن الإقليمي للخطر، وبالطبع الأمن القومي لتشيلي والولايات المتحدة… إنه إجراء غير مقبول وغير مبرر حقًا».
من جانبه، أعرب وزير النقل، خوان كارلوس مونيوز، عن «أسفه العميق» للعقوبة، مؤكداً أن وزارته عملت لسنوات على تحسين ظروف الاتصال في البلاد، ولهذا السبب، تم التوصل أيضاً إلى اتفاق مع غوغل لتمويل مشترك لكابل بحري بين فالبارايسو وسيدني. وصرّح قائلاً: «بلادنا تتمتع بمؤسسية عظيمة لا تميز بين أصول المشاريع المختلفة، ونحلل كل مشروع بناءً على جدارته».
في بيانه، لم تحدد الولايات المتحدة هوية الأشخاص، لكنها أوضحت أن القرار المتخذ لا يؤثر عليهم فحسب، بل يشمل أيضاً جميع أفراد عائلاتهم المباشرين، مشيرة إلى أنهم «غير مؤهلين لدخول» هذا البلد اعتباراً من الآن، وتم إلغاء جميع تأشيراتهم.
ويشير النص الرسمي لوزارة الخارجية إلى أن الإجراء اتخذ لأن المسؤولين التشيليين الثلاثة «قاموا عن علم بتوجيه أو تفويض أو تمويل أو تقديم دعم كبير و/أو تنفيذ أنشطة عرضت البنية التحتية الحيوية للاتصالات للخطر وقوضت الأمن الإقليمي في نصف الكرة الغربي».
ويضيف البيان أن «هذه الإجراءات تؤكد التزام الرئيس ترامب بحماية الازدهار الاقتصادي ومصالح الأمن القومي للولايات المتحدة في منطقتنا. ونحن نواصل تعزيز مساءلة المواطنين التشيليين الذين يعملون عمداً على زعزعة استقرار نصف الكرة الغربي».
وإلى جانب تأكيده على أن الولايات المتحدة ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز أمن المنطقة، أشار الوزير ماركو روبيو مباشرة إلى الرئيس التشيلي قائلاً: «في خريف حكمه، سيتلطخ إرث حكومة بوريك أكثر بسبب الإجراءات التي تقوض الأمن الإقليمي على حساب الشعب التشيلي في نهاية المطاف».
كما أعرب عن ثقته في أنه في المستقبل يمكن «تعزيز الأولويات المشتركة، بما في ذلك تلك التي تعزز الأمن في نصف الكرة الغربي، مع الإدارة القادمة لـ (خوسيه أنطونيو) كاست».
وفي حسابه على X، أكد روبيو مجدداً أنهم سيواصلون ضمان السلام والأمن في نصف الكرة الغربي، ولهذا سيتصرفون ضد كل ما يضر «مصالحنا».
الخطوة التي أعلنتها الولايات المتحدة فاجأت الحكومة التشيلية رغم أن سفيرها في سانتياغو، براندون جود، عقد اجتماعات منفصلة مع وزيري الدفاع والنقل والاتصالات لمناقشة الموضوع.
وفي الواقع، بعد لقائه في 12 فبراير مع وزيرة الدفاع، أدريانا ديلبيانو، كتب السفير على منصة X أنهم ناقشوا «المخاطر التي نراها في الكابلات البحرية الصينية الزائدة عن الحاجة، بينما تمتلك تشيلي بالفعل كابل هومبولت».
وأضاف جود حينها: «من خلال العمل معاً، نعزز ونحمي كلا البلدين. ومكون حاسم لهذا الأمن المشترك هو البيانات… فالبيانات الآمنة ضرورية لمواجهة التحديات الإقليمية معاً».
وكان جود قد اجتمع قبل أيام، في 2 فبراير، مع مونيوز.
أصدرت وزارة الخارجية التشيلية بياناً في منتصف اليوم أعربت فيه عن «مفاجأتها بالإعلان» ونددت بـ«فرض أي إجراء أحادي الجانب ينتهك استقلال بلادنا، أو يحاول إضعاف الحق المشروع في ممارسة سيادتنا الوطنية».
ويضيف بيان الخارجية: «ليس من الممارسة الدبلوماسية إصدار إعلانات عامة دون إخطار رسمي مسبق، وهذا السلوك لا يتوافق مع كثافة وتنوع المجالات التي نتحاور ونتعاون فيها مع الولايات المتحدة، وهي حليف تاريخي واستراتيجي لبلادنا».
وفي زيارة إلى جزيرة الفصح، علّق الرئيس غابرييل بوريك على الموضوع قائلاً: «بصفتي رئيس دولة، ورئيس تشيلي، فإن حكومتنا لم تقم قط بأي نوع من الأنشطة التي تقوض أمن تشيلي أو أي بلد آخر. تشيلي مستقلة وستظل مستقلة في القرارات التي تتخذها».
وفي نهاية اليوم، تناول وزير خارجية حكومة خوسيه أنطونيو كاست المستقبلية، فرانسيسكو بيريز ماكينا، الموضوع مشيراً إلى أنه لا يحق له التعليق على ما قامت به حكومة بوريك، لكنه أشار إلى أنهم سيطلبون جميع المستندات «لتحليل الأسس وعواقبها على الأشخاص المتضررين».
وأضاف: «يجب أن تستند السياسة الخارجية دائماً إلى الدفاع عن مصالح تشيلي وجميع التشيليين. وبنفس الطريقة، كحكومة مستقبلية، سنبذل قصارى جهدنا لتمكين السياسة الخارجية من إقامة أفضل العلاقات مع جميع الدول وتجديد روح بناءة وتعاونية مع جميع الأمم».









